الثقافة والإمبريالية

إدوارد سعيد عن - الثقافة والإمبريالية

يكشف دور النظام الإمبريالي بتطور الثقافة

نبيل عودة

كتاب الثقافة والإمبريالية – إدوارد سعيد pdf – قهوة 8 غرب | قهوتك بطعم الكتب

*تاريخيا جاءت الثقافة بالأساس لخدمة الاستراتيجية الإمبريالية، لذلك هي متشابكة ومتواطئة مع​​ المجتمع الذي أنتجها*. والمفكر الماركسي البارز "أنطونيو غرامشي"، حذّر من الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي*، والثقافة أضحت اليوم القوة المحركة للقضاء على كل أشكال الاستعمار والاستبداد*.​​ 

في كتابه المثير للتفكير: (الثقافة والإمبريالية)، للمفكر الفلسطيني (الأمريكي الجنسية) د. إدوارد سعيد الثري بالمعلومات، وخاصة حول تطور الرواية عامة، وتطور الأدب ضمن إطار التطور الرأسمالي، كأدب يسوّق الفكر الامبريالي عن الشعوب المستعمَرة والمتخلفة حضاريا، مؤكدا المزاعم السياسية للإمبريالية عن الشعوب الخاضعة والنظرة الدونية لها، والمبرر لاستعمارها، بل ضمن الكتاب يعتبر إدوارد سعيد مثلا رواية "روبنسون كروزو"، كدليل على دور المستعمر في تعليم الشعوب المتخلفة أسس التعامل الحضاري وإعادة تربيتها. وهذا لا ينفي النظرة الإمبريالية المهينة للشعوب الخاضعة للاستعمار، ورؤيتها كشعوب مزعجة وهمجية إلى حد كبير، وأنها ثقافيا، اجتماعيا وسياسياً هي شعوب متخلفة ولا ترقى لمستوى المستعمر الحضاري. وأن استعمارها هو خدمة لترقيتها وتنويرها. وبالتالي لا تستحق أكثر من أن تكون تحت سيطرة الاستعمار واحتلاله.

 

"الثقافة والامبريالية"؛ يتميز بما يطرحه برؤيته المتميزة والجديدة فكريا ونقديا، بمجمل الفكر الإنساني، حول العلاقة بين الثقافة والإمبريالية، مقدما تصوره بأن​​ الثقافة جاءت بالأساس لخدمة الاستراتيجية الإمبريالية، لذلك هي متشابكة ومتواطئة (كجهاز إعلامي) مع المجتمع الذي أنتجها، وهي شكل من أشكال الاستعمار (الثقافي) الإستعلائي.

 

يقول د. سعيد في مقدمة كتابه: "إن معظم محترفي العلوم الإنسانية، عاجزون عن أن يعقدوا الصلة بين الفظاظة المديدة الأثيمة لممارسات مثل الرّق، والاضطهاد الاستعماري والعنصري، والإخضاع الإمبريالي من جهة، وبين الشعر والرواية والفلسفة التي ينتجها المجتمع الذي يقوم بمثل هذه الممارسات من جهة أخرى".

 

يوضح د. سعيد فكرته حول اندماج الثقافة الكلي مع أمبرياليتها، بنموذج الأمبراطوريتين الاستعماريتين السابقتين، فرنسا وإنكلترا، وخاصة إنكلترا، التي كانت تقف في طبقة إمبريالية خاصة بها،​​ أكبر وأفخم وأشد مهابة من أي امبراطورية استعمارية أخرى، وفرنسا التي كانت على مدي قرنين، بتنافس مباشر مع إنكلترا، لذلك كما يقول د. سعيد:"ليس من المفاجئ في شيء أن فرنسا وإنكلترا تمتلكان تراثا غير منقطع من الكتابة الروائية، لا نظير له في أي مكان آخر، وأن أمريكا التي بدأت تصبح أمبراطورية إمبريالية في أثناء القرن التاسع عشر، لم تحذُ حذوهما إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد فكفكة استعمار الامبراطوريتين فرنسا وإنكلترا".

 

الكتاب مثير في طروحاته، وربما يحتاج إلى كتاب آخر لعرض مواضيعه الفكرية المثيرة، التي تعتبر فاتحة في الفكر الإنساني كله. فهو الى جانب ذلك مليء بالفكر النقدي والتحليلي المبدع، خاصة حول مفاهيم مثل الثقافة ودور المثقفين.

 

أثار الكتاب لديّ الاهتمام مجددا، بموضوع طُرح ويُطرح اليوم أيضا بأشكال عدة، ويرتبط بموضوع علاقة المثقف مع السلطة. إن المثقف ليس مواطنا عاديا، ليس من ناحية الحقوق الاجتماعية والسياسية، إنما من ناحية التأثير الفكري، وقدرات المثقف على خلق مواقف لها أثرها في تكوين مفاهيم اجتماعية كثيرة، والتأثير الفعال على الرأي العام، ليس بجانبه الثقافي فقط، إذ يقول: إن المثقفين أيضا هم نتاج النظام​​ الاجتماعي والسياسي (السلطة)، فما هي قواعد العلاقة بين المثقفين والنظام الاجتماعي والسياسي؟ هل هي علاقة انتقائية من المثقف أو من السلطة؟ أم هي علاقة تفرضها السلطة حسب نهجها وفكرها ومصالحها؟ المثير هنا؛ هل يمكن الافتراض أن السلطة هي التي تخلق مثقفيها؟ وأنه​​ لا مجال تاريخيا لوجود مثقفين​​ خارج النهج الرسمي للدول الامبريالية؟ طبعا القصد ليس عصرنا المتحرر، عصر العولمة الذي أصبحت حدوده ما بعد السماء، بل عصور النهضة الاستعمارية في بداياتها وتطورها إذا صح تعبير النهضة لوصف الاستعمار الاستبدادي؟

 

من الطرح السابق يتضح​​ أنه من العبث الرؤية بأن الثقافة مسألة عليا، لا يربطها بالقضايا السياسية والتاريخية أي رابط. إن الثقافة في كل زمان ومكان، كانت على ارتباط وثيق بالسياسة. وهي المعيار الذي يشمل كل المنتوج الاجتماعي، الاقتصادي، العلمي الفني والأدبي. لذلك لا يستطيع المثقف أن يكون منعزلا عن السياسة، لا رأي له لما يجري حوله من تطورات وأحداث هو في التلخيص الأخير نتاج لها.

 

هل يستطيع المثقف مثلا أن يكون بلا رأي من قضية الديموقراطية؟ من العلاقة بين الدين والدولة؟ من الصراع بين العلمانيين والمتدينين؟ أو من قضايا التنمية؟ أو من قضايا سياسية دولية ملتهبة مثل العدوان، الاحتلال، جرائم ضد الإنسانية وخطر الحرب المدمرة بشكل عام؟

 

هل يستطيع المثقف أن يتجاهل قضايا اجتماعية متنوعة كمسالة مساواة المواطنين؟ تحرير المرأة ومساواتها في الحقوق؟ قضايا البيئة؟ أو من المفاهيم الجمالية للإبداع الأدبي والفني؟ مثلا المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي (1891-1937) حذر من الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي.

 

عن دور المثقف يقول إدوارد سعيد في كتابة عن "الآلهة التي تفشل دائما"، على المثقف أن يكون واعيا لكل التعميمات التي تحدت والافكار التي تطرح من قبل وسائل الاعلام، المرئية، المسموعة والمقروءة، التي لا بد لها من توجهات وإيديولوجيات معينه وأفكار ربما تكون هدامة. على المثقف أن يفهم هده الافكار ويتنبه لها، وأن يتصدى لما يراه منها ضاراً بالمجتمع وأن يتكلم عنها وينبه لها، وأن يكون البوصلة الحقيقية للمجتمع التي تسهم في إعاده توجيهه نحو الوجهة الصحيحة"."

إذاً الثقافة قطعت مرحلة تاريخية، من كونها نتاج الإمبريالية، الى القوة المحركة للقضاء على كل أشكال الاستعمار والاستبداد.

 

 

nabilawdeh

Read Previous

مزنة

Read Next

“لبنان الكرامة والشعب العنيد”

One Comment

  • الأستاذ الأخ نبيل عودة

    ألفت عنايتك الكريمة أن معظم رسائلي
    تخفق في الوصول إلى أصحابها
    ومنها الإشعار بنشر نصك في الموقع
    ذلك لأن المايكروسوفت يعيدها إلي دائما (As failed)

    رمضان كريم وصياما مقبولا.. خالص تحياتي ومودتي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *