الرقص على خريف الزمن

الرقص على خريف الزمن

كل شيء..كما تركناه

 

إيناس ثابت – اليمن

 

الشكر الجزيل للدكتور محمد حيدر

على عنايته بالنص والعناية (بكاتبته)

 

  

كم مضى من عمر الزَّمن؟ ساعة، ساعتان، ثلاث ساعات، أو ربما أكثر!؟ أخيرا غادرتُ فراشي واهنة القوى فاترة الحواس أمشي​​ بعجز شديد. نزلت إلى الطابق السفلي، كل شيء كما تركناه، الأطباق المبعثرة على المائدة، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي.

 

 مشيت عبر الممر الضيق إلى فناء المنزل. كان أديم السماء صافيا والجو هادئا مريبا، والأرض في سكون عميق.. إلا من صوت غراب ينعق في الجوار، فينهش قلبي ويثير في كياني التشاؤم والقلق.

 

جلست على كرسي أنتظر عودته، حينما دبَّ خلاف بيننا بالأمس غادر على إثره المنزل ولم يعد بعد. مرَّ الوقت بطيئا قاسيا. نكست رأسي وتذكرت ابتسامة وجهه المشرق وملامحه الهادئة وشعرت بهزيمتي؛ فاتخذت قرارا بفض الخلاف والمبادرة إلى الصلح بيننا، وقررت استقباله​​ ببشاشة وذراعين مفتوحتين. ولا بأس أن أبكي طويلا على صدره، أغسل بدمعي ما علق في روحي من ألم الشوق بين يديه.

 

مازال الوقت يمضي بطيئا، وتأبى الساعة أن تحرك عقاربها بسرعة أكبر، لتحرِّرني من عذابي وكآبتي. قاربت الشمس على المغيب ولم يعد! انتابتني الهواجس وراودتني الأسئلة من جديد. ترى أين يكون وإلى أي مكان غادر؟ ربما لجأ إلى زميلته في العمل؟ تلك الأنثى اللعوب، التي كانت تحبه وتلاحقه وتتحين الفرص للإيقاع به واقتناصه مني! للحق هي أجمل مني وأرشق. لكنه فضلني عليها؛ وأحبني.

 

عدت إلى الداخل وجلست في زاوية الهناء والنور، على المقعد المشترك قريبة من أصيص البنفسج. تناولت الهاتف وطلبته كمن يطلق النداء الأخير. تواصل الرنين الأخرس ولم يُجِبْ. كررت المحاولة مرة إثر مرة بلا جدوى. إذاً لا مفرّ من مرارة الاتصال بالأفعى امرأة الغواية النكرة. لكنّها ما إن سمعت صوتي حتى أغلقتِ الهاتف وانقطع النداء. يا لتلك الماكرة اللئيمة! لا حيلة أمامي إلاّ صبر أيوب وعذاب الانتظار.

 

أوجعت قساوة حديد النافذة مرفقي، ووقت لم أحتسبه. لكنه يمضي مملا بطيئا قاتلا يجر ذيله وراءه ويعذبني، ودقات ساعة الحائط تطرق دقاتها كالمعول في قلبي، ورتابتها تستفز طبلة أذني. ارتفع منسوب القلق في قلبي وارتعشت يداي الباردتان الهزيلتان. قمت إلى دولابي وبدلت ثيابي، وتوجهت إلى منزل أهله في الجوار... بيد مرتعشة، قرعت الباب بلهفة المقهور، والدمع يترقرق في عيني وينساب جدولا على خدي.

 

 أطل أبوه من خلف الباب ونظر نحوي بفيض من الشفقة والحنان. بادرته بالقول بصوت متهدج وكلمات متقطعة تكاد لا تسمع: انتظرته طويلا، لكنه لم يعد وهاتفه مشغول لا يجيب. شدَّني إليه وضمني بحنان بين ذراعيه حتى هدأت قليلا، ثم أدخلني إلى المنزل وجلس بجانبي، وحضن كفي​​ بين يديه حتى استسلمت لحنانه وأنست إليه. وخاطبت نفسي: إن كان والده هادئا هكذا، فهذا يعني أنه لا زال بخير.

 

خيم الصمت علينا لبعض الوقت حتى بادرته بالسؤال: أتعلم أين يكون يا عمي؟ قال: مرَّ شهران على موته ولازلتِ تأتين كل يوم في هذه الساعة تفتشين عنه..! ارتسمت على ملامحي علامات الدهشة، وقلت مستنكرة: لم آتِ إلى هنا إلاّ هذه الليلة؛ فأنا لم أزركَ من مدة طويلة يا عمي. كنتُ معه بالأمس فسهرنا وضحكنا و.. أكملتُ بصوت متردد خجول ورقصنا أيضا، ولولا خلافنا في ساعات الليل الأخيرة..!؟  نظر نحوي بعينين حزينتين وقال بإشفاق: يجب أن تقتنعي لقد مات وانتهى الأمر ألم تتقبلي الحقيقة بعد..؟ 

 

تملكني الهلع واستبد بقلبي الوجع، وصرخت بذعر كالمحمومة: لا..لا.. لقد كان معي البارحة، لولا خلافنا لكان اللحظة معي هنا؟ تَبّا لخصامنا وتبّا لي من نكد غفلتي، ثم غبت في موجة من البكاء المرير.

 

رافقني أبوه ممسكا بيدي وعائدا بي إلى منزلي، ثم رافقني إلى حيث سرير نومي في الطابق العلوي، وهيأ لي أغطية  السرير والوسادة، وأشعل مصباح النور الخفيف، وناولني حبة من دواء مهدئ، وجلس بجانبي يمسح على وجهي وشعري.. ويؤانسني إلى أن غاب إحساسي بكل ما حولي.​​ 

 

أفقت في اليوم التالي، لم أدر كم كانت الساعة؟ لكنني نزلت إلى الطابق السفلي؟ كل شيء كما تركناه بالأمس.. الأطباق المبعثرة على المائدة، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي. توجهت من جديد نحو الفناء باسطة ذراعيّ، باسمة الثغر... أنتظر عودته على الباب.

 

ايناس ثابت

Read Previous

Poétesse de l’amour et de la terre

Read Next

الفجر يولد من جديد

4 Comments

  • الرقص، كما تقول الكاتبة السورية آية الأتاسي، “هو الشجاعة في فرك الفانوس وإطلاق الجني الصغير المختبئ في داخلنا… والرقص تسلق نفسي؛ فكل القمم الروحية التي يحتاج الإنسان سنوات لتسلقها، يستطيع أن يبلغها بخطوة راقصة واحدة”. من جهة أخرى، يمثل الرقص أيضا استعراضًا للذات والجسد، ويشكل في الآن نفسه مضامين رمزية للحالات الوجدانية المتعلقة بالحزن والفرح وغيرهما، وبالتالي فهو تفريغ للمشاعر وتعبير حركي عما لا تفي الكلمات بالتعبير عنه… ونص “الرقص على خريف الزمن ـ كل شيء كما تركناه” لأختنا إيناس يجسد بعضا من هذه المعاني، ومفتاح الولوج إليها يأتي عبر الإحساس المكثف بالزمن من خلال الرقص على خريفه، وهي وحدها إشارة بليغة إلى الزمن النفسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بتوظيف الخريف في إشارة إلى “النهايات المحتومة” وما يرافقها من وجع وتشبث بأهداب الزمن الماضي…
    من جهة أخرى، يرتبط الزمن بالذكريات، والذكريات أحداث وقعت في زمن ولَّى ومضى، وفي مكان ما… ولما كان انبعاث الذكريات من مرقدها مرتبطا بزمن غير زمنها، فإن الباعث على استحضارها غالبا ما يكون حدثا طارئا؛ موجعا أو باعثا على السرور. وبحسب الباعث تتشكل طبيعة “الرقص” على حبل الزمن، وتتمظهر تجليات الإحساس به إن بهجة وسرورا، أو حسرة وندما، أو وجعا وألما، وبالتالي نجد أنفسنا أمام زمن نفسي تختلف إيقاعاته عن إيقاعات بَنْدولِ الزمن الفيزيقي؛ فالطالب الذي ينتظر نتيجة الامتحان يستشعر الدقائق كما لو كانت ساعات، والأهل الذين ينتظرون نتيجة عملية جراحية لأحد أقربائهم تصبح ثوانيها جمرات في دمهم على حد تعبير إبراهيم ناجي في قصيدته الشهيرة “الأطلال”… ويبدو أن نص أختنا إيناس يندرج ضمن هذا السياق، لكن سياقه، بالإضافة إلى الإحساس الحاد بالزمن، جاء مصحوبا بالرقص على حبل زمنٍ مضى؛ زمنٍ مشحونٍ بذكريات أبت صاحبته تصديق فراق حبيب مات، ليظل كل شيء في المكان الذي غادره بعد فراقهما على حد تعبير الساردة: “كما تركناه، الأطباق المبعثرة على المائدة، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي”، وهو المشهد الذي انفتح عليه النص ثم عاد إليه في خاتمته مصحوبا باللوعة ذاتها، وعدم التصديق بأمر الوفاة كما أخبر به والد “الحبيب”، وليظل المكان ذاته شاهدا على حضور الغائب قبل غيابه وتركه… هكذا تكتمل الدورة الحلزونية من نقطة الانطلاق إلى محطة نهاية السرد التي ختمتها الساردة بقولها: “أفقت في اليوم التالي، لم أدر كم كانت الساعة؟ لكنني نزلت إلى الطابق السفلي؟ كل شيء كما تركناه بالأمس.. الأطباق المبعثرة على المائدة، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي. توجهت من جديد نحو الفناء باسطة ذراعيّ، باسمة الثغر… أنتظر عودته على الباب”…

  • الدكتور محمد حيدر
    صاحب اليد الكريمة البيضاء

    ماذا عساي أقول؟
    أعجز حقا عن التعبير عن مدى شكري وامتناني لك.

    شكرا لك من عميق القلب، شرفتني بقراءة النص وتدقيقه، ومنحتني اليوم شرفا آخر بتحليل القصة والغوص في معانيها.

    أنت صاحب ذوق رفيع وقلب رقيق وفهم دقيق، فألف شكر لك ودعاء بالخير وباقة ياسمين تليق بقلبك النقي الطاهر.

  • الصديقة العزيزة إيناس

    هذا هو د. محمد علي حيدر بعبق حضوره الطيّب
    يشهد لصالح شهرناس
    فشكرا لكِ.. والشكر وحده للدكتور محمد لا يكفي

    أنت شابة رائعة تخطت عمرها بسرعة، فلم يخطر لي أن أشعر بالحسد منها ومن: “كل شيء.. كما تركناه”..! وهو في الحقيقة ما اقترحتُ أن يقتصر عليه العنوان.

    “قالوا حلاوةُ روحِهِ رقصتْ به ** فأجبتهم ما كلَّ رقصٍ يُطربُ”. الرقص على خريف الزمن – كل شيء كما تركناه. من النصوص المميزة الذي يسترعي الانتباه.

    هذا الفكر الفتيّ الرّصين، الذي من الصعب لشابة بعمرك، أن تجاريك وتكتب بهذه الكفاءة، والمقاربة الموفقة في التعبير، والحنين والوداعة والرقص وقسوة الانتظار.

    نهاية النص والعودة فيه إلى البداية تتسم ببراعة أدبية ملحوظة. خالص مودتي وأمنياتي بما هو الأحلى، لشهرناس الجادّة الرّصينة. وبعد؛ تعالي بنا إلى طاغور شمس الهند المشرقة إذ يقول: يا رب لا تدعني أصب بالغرور إذا نجحت، ولا تدعني أصب باليأس إذا “فشلت”؛ بل ذكرني دائما أن الفشل هو التجربة التي تسبق النجاح.

  • الأستاذ إبراهيم يوسف

    “ومـــــن الــــرزيةِ أنّ شكـــريَ صامتٌ
    عمّـــا فعلت، وأنّ بــــرّك نـــاطقُ
    أأرى الصنيعةَ منك ثـــــم أسرّهـــــــا
    إنـــــي إذاً ليد الكـــــريمِ لسـارقُ”

    أعترف بتقصيري كثيرا في حقك، أنا المدينة لك، لم أشكرك يوما كما ينبغي، وعجزت عن التعبير عن الامتنان ليدك الكريمة الممدودة نحوي دوما بالورد وأريجه، لكنني كنت أراك دوما في تعبير مبخائيل نعيمة:

    “سقيت زهرة في حديقتي كان قد برح بها العطش ، فلم تقل لي شكراً و لكنها انتعشت فانتعشت أنا”.

    مازلت تلميذتكم وأنتم أساتذتي..أنجح أحيانا وتعاندني الحروف والأفكار مرات أخرى. لكنني بفضلكم لا أيأس.

    من عميق القلب محبة وامتنان.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *