لالة زيمة

لالة زيمة*

عبد الجليل لعميري - المغرب​​ 

C:\Users\ibrah\OneDrive\Desktop\نحام.jpg

​​ (من مجموعة يد الحكاية)

فتحت عيني على فضاء شاسع،​​ تسكنه مياه الأمطار طيلة السنة تقريبا، خصوصا في المواسم الممطرة...​​ وأنا أتسلق سنين العمر بدأت​​ أقترب من هذا الفضاء الباذخ...​​ سبخة ممتدة على عشرات الكيلومترات​​ المربعة...​​ فيها ماء وبياض كثير؛​​ كنت أظنه حجارة بيضاء.​​ ولكني عرفت لاحقا أن السبخة منجم ملح طبيعي يشتغل​​ فيه عشرات العمال، ويصدّر الملح إلى جلّ​​ مناطق البلاد...آه ...​​ ذاك​​ إذاً​​ جبل ملح...​​ وتلك أحواضه...

 

​​ إنها بحيرة​​ "زيمة"...​​ أو قل سبخة زيمة...​​ ولكن لماذا تسميها نساء الدوار ب"لالة زيمة"؟ ولماذا يزرنها ويعلقن بقايا ملابسهن على نخلتها الوحيدة؟​​ هل هناك ضريح لامرأة اسمها زيمة..؟

 

-​​ لا..​​ لا...​​ قال لي الكبار...​​ ثم أضاف جدي: هي​​ أرض مباركة...​​ يقال​​ إن نبيا مرّ​​ من هنا...​​ "ولكن لماذا الرجال لا يحترمونها مثل النساء؟".​​ سؤال كتمته في نفسي وأنا أتذكر قنص بعض رجال الدوار للغرنيق والإوز الوافد​​ على السبخة...​​ وسرقة بعض أهل الدوار للملح...

 

كنت​​ أدمن التردد على البحيرة وأتأمل جمالها، خصوصا في الأيام الربيعية،​​ وأتأمل جمال النحام الوردي...​​ هذا الطائر الأنيق حذر جدا وغريب الأطوار، فهو لا يغادر الماء أبدا إلا إذا نضب...​​ يظل مرابطا ليل نهار​​ في​​ قلب البحيرة بعيدا عن المتلصصين والمزعجين،​​ وإذا حاولت الاقتراب منه لمسافة غير أمنة يطير في الفضاء ليختار موقعا بعيدا عنك...​​ وهو لا يتغذى الا على حشرات صغيرة تعيش​​ في​​ الماء المالح تشبه "الروبيان"...

 

إنه​​ أمر لا يعرفه معظم الناس ما يدفعهم الى الاستغراب من طائر لا يأكل...؟ ساخرين من نحافته...​​ هذا الطائر الجميل يحل بالبحيرة مع مطلع​​ الفصل​​ وبداية الأمطار​​ كأنه مبرمج على ذلك...​​ ورغم​​ أنه لا يستوطن بالمكان فانه دائم الزيارة...

 

​​ وحذره هو الذي جعله دائم التواجد بالمنطقة منذ عقود طويلة،​​ على عكس الغرنيق الذي كان يباد ببشاعة من طرف السكان،​​ لأنه كان قليل الحذر ويبحث عن طعامه خارج السبخة،​​ وهو سريع الوقوع في المصائد ووفير اللحم،​​ الواحد منه يزن أكثر من عشرة​​ كيلوغرامات...​​ لقد بالغ الأهالي في قنصه إلى أن انقرض وجوده​​ في​​ المنطقة...

 

وأنا ازور المنطقة بعد سنوات من الغياب أصبت بحزن كبير...​​ أصبحت السبخة أقرب إلى خرابة ...​​ وتوقف انتاج الملاحة وطرد عمالها...​​ ولم تبق سوى بقايا آلات صدئة وحفر صماء...​​ ضاع جبل الملح الأبيض وتوقفت الطيور عن زيارة المكان،​​ بعد زحف مجاري المياه العادمة على المكان...

 

عشية ذلك اليوم الكئيب نمت مهموما، وفي غمرة نومي استيقظت أتحسس نفسي، رأيت فيما يرى النائم أنني تحولت إلى طائر نحام،​​ وسافرت عبر أجواء مختلفة من شمال أوروبا وصولا إلى زيمة...​​ وحين وصولي حزنت لغياب الماء،​​ والمناظر​​ الطبيعية الخلابة وقلت : ليس هذا ما حكاه لي أبواي...هل هذه هي سبخة زيمة الجميلة..؟

 

​​ وبكيت...​​ فتساقطت دموعي وفاضت جداولا،​​ ملأت خنادق السبخة وأحواضها...​​ وتسابقت الطيور إلى العودة والنزول بالسبخة...​​ وبدأ اللون الأبيض​​ بالظهور...​​ تحسست نفسي وقلت:​​ اللهم اجعله خيرا...

 

أحسست بقليل من الارتياح...​​ وقررت أن أبدأ​​ منذ الغد حملة من​​ أجل إنقاذ​​ "لالة زيمة"​​ مع الجمعيات​​ المهتمة بالبيئة والتنمية...​​ قلت:​​ جميعا من​​ أجل لالة زيمة...​​ سيكون شعار حملتنا...

لالة​​ :​​ تعني السيدة..​​ بالدارجة المغربية.*

 

Jalil Laamiri

Read Previous

“هبِّ الهَوا؛ وِتْجَرِّحِ المَوّال”

Read Next

أرجوزة الفراشة

6 Comments

  • أ/عبد الجليل لعميري – المغرب

    من مسرحية “مجنون ليلى” وعلى لسان شوقي إذ يقول: “قد يهون العمر إلا ساعة؟ وتهون الأرض إلاّ موضعا”.
    عجز البيت في اعتقادي هو المؤثر الأهم؟ حينما يحمل معنى الانتماء إلى “لالة زيمة – المغرب” وسائرالأرض والأوطان. محبتي.

  • أستاذي الفاضل

    عندما نحلم؟ تتضافر ذواتنا فتتآلف
    فيما بينها.. ويحمي بعضها البعض
    إنها لحظات رائعة من السعادة
    نصحو بعدها على واقع مرير.. قد تختلف
    فيه نظرة الرجل أو المراة حول المكان؟
    لتبقى السبخة هنا مقام مقدس
    للنساء… ومكان صيد ثمين للرجال

    وعندما يكون انتماؤك للأرض والمكان
    وتكون الأرض هبة الحياة من أجلك
    ونعمة اللحم يكسو بدنك
    ودم يجري في عروقك..؟ هكذا
    تدافع عن لحمك ودمك
    وأحلامك بكل طاقاتك حتى الموت .

  • ولو أن المدارس والكتب والقراءة، والتربية – في المحاكاة قبل التلقين – ومختلف الوسائل ساهمت في التثقيف البيئي إلى حد بعيد؟ إلاّ أن ذلك وحده لم يتمكن من إنقاذ البيئة التي تلوثت بفعل المدنية والصناعات الحديثة.
    لعل رواية “الأمير الصغير” للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبري ساعدت كثيرا في مفهوم العناية بهذا الكوكب. ويقول صاحب الرواية في تمجيد الأرض: “الطفولة هي هذه الأرض العظيمة التي خرجنا منها جميعاً”.

    شكرا أستاذ عبد الجليل على هذه النفحات الوجدانية الصادقة، تنطلق من القلب مباشرة وتصل إلى قلوب الآخرين.

  • و..لالة زيمة..؟ قصّة أوطان بأكملها..
    ضاعت بين جشع الرجال
    وقلة وعي المجتمعات والأفراد..
    أراضٍ رويت أشجارها بمخلّفات النفط
    بدل الماء.. ولوّثت فضلات البشر ونفاياتهم، ماءها وأرضها وسماءها..
    لتهجر الطيور أوكارها والأسماك بحيرتها، وتفقد الثمار نكهتها..

    وتوسّع فتحة الآوزون، خير دليل على انتهاك البيئة
    ولعله تدبير سماوي لفظاعة ما ارتكبه البشر.؟
    وما لالة زيمة..؟
    إلاّ عيّنة من آلاف العيّنات التي طالتها يد الإنسان
    وسلبتها كنوزها ومعالمها الجميلة.

    شكرًا أستاذي عبد الجليل لعميري
    على هذه الإضاءة الإنسانية، المؤثرة
    وهذا السرد الرائع، المشوّق..
    والمحبة الخاصة للأرض والوطن
    والبوح الوجدانيّ الصادق الذي لمس قلوبنا.
    وفتّح عيوننا على هذه البقعة الإستثنائية في وطنك الأم.
    دام نبض قلمك الأثير.

  • أحبتي. ….بقراءتكم تولد حياة جديدة للنص. …شكرا على مروركم الطيب. ….الكتابة والقراءة نغمتان متكاملتان لعزف لحن الحياة. مودتي.

  • “لالة زيمة”.. في لبنان

    قام وزير الزراعة – يا رعاه الله – في وزارة تصريف الأعمال، بزيارة سد القرعون من مياه “الليطاني”، لتفقد تنظيف السد من الأسماك النافقة بالأطنان. وفي نهاية الزيارة “أثنى” الوزير على “الجهود البالغة”، التي يبذلها موظفو مصلحة مياه النهر في معالجة التلوث، ورفع الأسماك النافقة “والتشدد” بعدم بيعها للاستهلاك.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *