لا يعرف العنصرية والتعصب ثلاثة أجزاء

لا يعرفُ العنصريَّةَ والتَّعصب

الجزء الأول

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

 

رحتُ أفتشُ هذا الصباح عن بعض حاجات المعيشة في السوق، وقد تنوعتْ معها أصناف الأطعمة المُستحدَثة الوافدة إلينا من سائر مطابخ العالم، واستقرّتْ حاليا عند حدود “الفاهيتا والفيلادلفيا والسوشي”، مما كنتُ أحسبها وأنا أسمع بها لأول مرة، أنها أصناف حديثة لعرباتٍ كوريّة الصنع، غزَت سوق تجارة السيارات.

 

تجولتُ في السوق وأنا أتأبط مزيداً من أكياسٍ يربكُني حملُها، وأدقق في قائمة الحاجات التي سجَّلتْها، ودسّتْها في جيبي رفيقة دربي مسؤولة الاقتصاد، التي عاونتني وتعبتْ في حياتها معي أكثر مما ينبغي، لتلبي طلبات الأسرة في النَّظير المعاكس، لقول السيد المسيح عن حياة الإنسان، وحاجته لغير الخبز والخضار ولحمة العجل والخروف؛ “وجذور وثنية الأضاحي”: مقالة المهندس عادل الحاج حسن المنشورة في مجلة “السنابل”، والتي واجهتْ صخبا واعتراضا مجحفا لم يكن الكاتب سببا مباشرا فيه.

 

اللحمة أشدّ الأطعمة زنخة ووقعاً مؤذيا، على وجدان وحواس النباتيين المُعَذّبين أمثال “سوسن” ابنة شقيقي، التي رهنت نفسها وبذلت جهداً طيِّبا لم يتوقف؛ يستحق الشكر على المساعدة في العناية، بمن شرَّدتهم الحرب من أوطانهم، وقد تنازلتْ عن كامل نصيبها في الدّنيا من اللحوم ومشتقاتها، منذ طفولتها وبدء وعيها الخلقي المُضْني.

 

اللحمة دخلت طوعا كيمياء الإنسان مع بداية الخليقة والكينونة الأولى، وتحوَّلت إلى “إكسير” لا غنى عنه لبني البشر؛ والحيوانات الكاسرة على السواء. من هنا ابتدأت جذور الأضاحي بشكليها المُوقِن أو الوثني، وهكذا استبدّتْ شهوة القصّابين إلى السكِّين واللحم الحلال، بترخيص إلهي لا ترقى إليه الشكوك.

 

وهكذا شاء ربُّك أن يُسَلِّطَ المخلوقات؛ القويّ منها على الضعيف، لكي تتوازن أحوال الحياة فلا تقوم إلاّ على التناقض وعلل الوجود، في فيض من الصراع على ثروات الأرض، والإمعان في الشماتة بماركس.. وسلام الدّنيا الهزيل. حياة بعيدة تماما من صفاء الأرواح الهادئة ومن سحر الطقوس، ونجوى الصبابة والتَّمني في ليالي الشعر والحب والبخور، والقناديل المضيئة وعطر الزنابق في الحقول، فلا يكون الفداء مقبولا بغير الدم المسفوح على مَرِّ العصور.

 

“ضاقَ عن وَجْدي بكم رَحْبُ الفَضا*** لا أبالي شَرْقَهُ من غَرْبِهِ”. هي حال المربَك في فكره ووجدانه وخياله المُتْعَب، لا يبالي وهو ينطُّ بسرعة “القبُّوط” من موضوع إلى موضوع، ولا يدري أين يحطُّ  في القفزة التالية، بعيدا من نهج الكتابة المألوف، ومعظم الضوابط والقيود. وهكذا أجدني وأنا في السوق، حيث الأحياء المهمَلة الفقيرة والمياه الآسنة في الطريق، أقفز إلى جوار ملاك أبيض، يغطُّ بجناحيه المنشورين في ضاحية بيروت الجنوبية. الضَّاحية العصيَّة على الطائرات الإسرائيلية وعدَّتها العسكريَّة الأميركيَّة، وكل خيانةِ مَحَلِّيات التفخيخ والتفجير.

 

استوقفني فيها يا سبحان الله إعلانٌ “رومنسيٌ” على مدخل “بوتيك”، يبيعُ ثياباً للأولاد من صنع سوريا الغارقة في دمائها..! فهل تُصدِّقون..؟ ويقول الإعلان: “ملبوسات الملاك الأبيض – للأطفال”..!؟ وعتبتُ على ربِّي..! لكنه عتبُ الحبيب على الحبيب، واستغفرتُه ألف مرة ومرة، من الوسواس الخنّاس يوسوس في صدور الناس؛ أن لا يكون قد خلق ملائكة سُوداً ممن حرمهم من نعمة البشرة البيضاء.؟! حتى هنا في الضاحية موطن “المهزومين” “والغلابى” من فقراء الناس، يميِّزون يا ربِّي بين أجناس الناس وأعراقهم البيضاء والسوداء..! ثم توسلتُ إليه أن لا يغضب مني على حشريتي والتدخل في سِرِّه وشؤون خلقِه، وأن يسامحني ويسامح صاحب “البوتيك” ويغفر ذنبي وفضولي.

 

ملاك الضاحية الأبيض كان قد امتطى أسرع خيول السماء. تلك التي تعدو سريعة كالنور كما حسبها “أنشتاين”، ولا فرق في لون الحصان أبيض كان أو أسود..؟ ما دام كلاهما على وزن أفْعَلْ – وأحْمَدْ، ووزن أفعل ممنوع من الصَّرف كما تعلم يا شيخ أحْمَدْ. أطلق الملاك العنان لفرسه المطهَّم الجميل وهمز جوانبه بساقيه، ثمَّ أسرع بالنزول عبر بوابات السماء، مجتازاً الكواكب والمجرات بلا ضجة ولا ضوضاء. حذوة حافره تلامس الريح فتشرقط نارا من ذهب؛ ليحط أخيرا على كوكب الأرض في مدى لحظات لا تزيد.

 

وصل الملاكُ رسول السماء إلى الأرض، وهبط على جبل بالقرب من “أم الزيَّات” في فلسطين، تنفيذا لأوامر خالق الكون ومبدع الحياة والموت، وهو ينادي بصوته الراعد الداوي، الآتي من غياهب سماوات لا يطالها عقل العلماء العارفين: يا نَبِيَّ الله “يَحْمَدْ” أحْسِنِ الظن بربك ونَظِيرَيْكَ “سَامَا وَنَجُّومْ”..؟ كنّا نختبرُ تقواك وخضوعك وحسب. تقبّلَ الله فداءك ونجحتَ في امتحانٍ عسير، واصطفاكَ ربُّك على أهل الأرض من المؤمنين الخاشعين. فُزْتَ ورب الكعبة رافع السماوات فوق أديم الأرض. توقّفْ وخذ الكبش من مراعي الفردوس، وارفع السِّكِين عن رقبة الفتى المسكين. دعك من عبلة وسارة وهاجر.. واتقِ رب العالمين.

 

والنّبي “ساما” جارنا وجاركم بقبَّته المتواضعة وداره الضَيِّقة، وضريح  علي الحاج حسن، ممن شاركوا في المحاولة الانقلابية على فؤاد شهاب، وشجرة توت أبيض على الزاوية الشرقية، وإدارة رُهْبانِه من المتّقين المؤمنين من “بيت زين”، ممن يتولون كسوة المقام، بأقمشة كانوا يحملونها معهم من الشام. النبي ساما أغنى قليلا من النّبي “نَجُّومْ” يقيم في أول السهل، حيث ينأى بنفسه على أطراف “طارَيَّا”؛ زاهداً وحيداً في العراء في حرِّ الصيف وجليد الشتاء. يقتِّرون عليه التّبرع بالمال مما يستبيحونه لاحقا لأنفسهم، عندما تدعوهم حاجتهم إلى المال.

 

لم يكن مقام النبي نَجُّوم، خاضعا لإدارة “بيت زين” فلم يكن مُصان المال؛ وقِلَّة من كانوا يتبرَّكون بزيارته عبر طريق البيادر الترابية، إلى مغارة حمزة وعين “بَعْمِيري”. العين التي أصابها ما أصاب عينيّ وقلبي ووجداني، من جفاف تأخر كثيرا عن موعده في الوصول. لكنّ ساما النّبيّ المميَّز قليلا، بمقامه وقبَّته عن النّبي نَجُّومْ “الفقير”..  فله في قلبي مودة خالصة.. معزَّة البقيا والجيرة والعشرة الطيبة وصداقة عمر طويل.  

 

 كنت أعربش على شجرة التوت، ذات الطعم السكريّ المغري، التي عرفتُها في دار النبيّ الكريم، وكان يخشاها بقيَّة الأولادُ ويبتعدون عنها، ومنهم من كان لا يجرؤ على النظر إلى توت تشتهيه الأفواه قبل العيون. لكنني بقلب جريء دون ما خشية أو تردد، أو إحساس بذنب كنت أجاهر بأكل “كبوش” التوت، بلا خوف من نار الجحيم، مما حشروه في رؤوسنا الصغيرة القاصرة عن إدراك معنى السماح ومدى مغفرة الله.. والجار الكريم. كنت واثقا أنَّ ثمارها الناضجة ستقعُ وتغطِّي أرض الحرم وليمة للنمل والعصافير، وأنَّ النبيّ لن يستفيدَ منها أو يغضبَ مني، وأنا ضيفٌ في داره وأبي يكرمُ الضيفَ في بيته، فما بالك بحالِ الأنبياء كيف يكرمون الأطفال الضيوف..؟!  

 

 شرَّقتُ وغرَّبتُ قليلا لكنني لم أزل في ضاحية بيروت. بهرني ضوء الشمس في الخارج، وغَشِيَتْ عيناي من شدة نور النهار، في ساحة مكشوفة على سماءٍ كريمة تُخَيِّمُ على الجميع؛ نور بدأ يخبو في القلب والفكر والعين، ولم أكن منذ أسبوع قد غادرت المنزل إلى تعاونيّة التموين، حيث انفجرت في ساحتها سيارة مفخخة منذ بعض الحين، وحصدت من حصدت من عشرات الضحايا المساكين. وحينما أنهيت مهمتي في السوق، وأتيت أشرب قهوتي وأستطلع الحاسوب..؟ 

 

 أسعفتني إجابتك ورأيت خير الردود ما يأتي على “كعب” المقالة، وأجدى البكاء ما كان مباشرة على رؤوس الأموات، وما دمنا نعيش فلن نرحل عن الدنيا يا صديقي، إلاّ ونحن نخفق ونَجِدُّ في المسير إلى أبعد “واحةٍ من قلب الصحراء العربية”، تتردد أنفاسنا في صدورنا ويتعالى وجيب قلوبنا بين الضلوع..؟ أو يحاسبنا الخالق عند القيامة على  طاقة زوَّدنا بها، ووأدناها في الإغفال عن حاجات الحياة، التي لا تموت ونحن في انتفاضة النفس الأخير.

 

  فما رأيك تأتي معي في هذه العجالة إلى العامرية، والصَّمة القشيري يقتله إليها الحنين..؟ أشدّ صبابة من قيس البوادي عند العرب، وروميو وجولييت عند شكسبير. القشيري صاحبنا هذا ينبغي أن تتعرف إليه فهو من أرقِّ وأفصح العشاق الشعراء على مر العصور. أو فليكن الأمر على مذهب الغزل التقليدي في مطلع مراثي من نبكيهم من الراحلين.

 

بروحيَ تلكَ الأرض ما أطْيَبَ الرُّبى *** وما أحْسَنَ المُصْطافَ والمُتَرَبّعا
وأذْكـُــــــرُ أيـَّـــامَ الحِمَى ثمّ أنْثَني *** على كَبِدي مِنْ خَشـــْيَة أن تصَدَّعا
وليســــتْ عَشيَّاتُ الحِمَى برواجِعٍ *** إليــــــكَ وَلكنْ خلِّ عينيكَ تَدْمَعا

كأنّا خُلِقْنـــــا للنَّـــــوى وكأنّــــما *** حـَــرامٌ على الأيَّــــامِ أن نَتَجَــــمَّعا

 

 


يتبع في الجزء الثاني

 

——————–

 

لا يعرفُ العنصرية والتّعصب

الجزء الثاني

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

 

بروحيَ تلك الأرض في “شمس الجبل”.. أرض الطفولة واللهو والعبث البريء، التي ننتسبُ إليها طوعا وحبا خالصا؛ ما دامتْ أرضُها أنعمتْ علينا بالحياة، وتربتُها قرب “النّبي ساما” في الطريق إلى “المعصرة والشعرة”، “وضهر المغارة” وغابة السنديان في “السّلوقي” تترفق برفات موتانا وأحبابنا ممن ينتظرون قدومنا إليهم في أي حين. بأبي أنتَ وأمي وأهلي يا شيخي، وكل ما بقي من النور في عينيَّ وفي قلبي. أنت صديقي لكنك لا زلت مغشوشا بمظهري وسلامة أحوالي، وشخصية “دون كي شوت” التي تحكَّمت في خيالكَ عنِّي.. وتلبَّستني.

 

ولو أنني أبدو واقفا على قدميّ ولم أنحنِ كثيرا، إلاَّ أنني هشٌ وشديدُ الخواء والوهن، من الداخل المستور بقشرة مزيَّفة، ومرارة لامعة للعلن وغطاء كاذبٍ لم يعد يجدي. يستبدُّ بي الضعف والانكسار السريع، ولستُ كما يتراءى لك كالعملاق أو المارد الجبار، فلا أزيد في الحقيقة عن أرنبٍ جبان وحملٍ متشائم، أعجز من أن يدفع عن رقبته شفرة السكين.. بقايا بشري متهالك تدمع عيناه بسرعة، وتغسل وجنتيه وتقسو على قلبه لأسبابٍ لا تستحق البكاء.

 

هذه حصيلة هشاشتي وانكساري، وهذا سِرِّي أرميه بين يديك بلا مكابرة أو خداع. والله لا أدري يا صديقي من أين تأتيني هذي الدموع المستنفَرة البغيَّة فتغزوني وتقهرني من حين إلى حين..؟ لكأنها نشوة نهاية العمر وانتفاضة العشق الأخير..؟ فترفق بقلبي قليلا وأنت تَصِرّ على موعظتي دون أن تيأس مني، ما دمتُ أقلِّدُكَ ومن مريديك وما دمتَ مرجعي وصديقي وشيخي، وأستاذي الذي لا أنكر فضله ما حييت.

 

 وهكذا لا يمكنني أن أحبطك، أو أنال من عزيمتك في الخيال والشعر، “ودلعونا والروزانا، وزهر البنفسج يا ربيع بلادنا”. مما أحببناه في وَعْيِنا وأحببناكَ بجانبه، وأراهن أن أحدا في البلدة والجوار ممن عرفوك على وجه العموم، لا يحمل لك في داخله، غير الحب والاحترام والمودة الخالصة ومكانة الشيخ الجليل.

 

 

 وماذا سأفعل أو أقول أمام مخزون معرفتك بالرياضيات والفيزياء، وحساب معادلة سرعة الصوت والنور، وعلم الكواكب والنجوم وسبع سماوات طباق، لا ندري سرَّها أين تنتهي وكيف يمكن أن تكون..!؟ وقريحتك المتوقدة وهذا الجموح المتمرد العجيب، ولون شعرك الرمادي تهيم به – بصوتٍ خافتْ – مراهقاتُ هذا الجيل، ورؤيتك المميزة لسائر الأمور تتجاوز حدود معرفتي إلى الآفق البعيد؛ فأنت ممن لا يتسع لحضورهم خيال الشعراء، ولا سهرات الصيف في الريف، أو ما ينالني على يديك من تحريض وتنكيل.. وتجريح لطيف.

 

فلم أنسَ بعد “حميدان والبدوية الحسناء”، ولا نسيَ المعجبون القراء، حكاية الليل والبخور وسوى ذلك من قول يأسر القلب، ويحفر في الوجدان العميق، ليستوطن بوداعة في قلبي وقلوب “الكثيرين” ذكورا غلاظا أو إناثا أشدُّ فتنة من زهر البريّة في الحقول، وأطهر من عطر النرجس وصفاء البنفسج على قمة الكرمل في فلسطين. تلك الحكايات أذهلني سحر بيانها وسكبها في قالب أبهى من الفراش الملون، وأكثر رونقا من النحل على زهر الخزامى، وصوت الحساسين على حَوْرِ المطاحن في “حُشبى”، وعلى أشجار اللوز والمشمش في البساتين.

 

كثير.. المفردة التي وردت  في الفقرة السابقة، لا تحتاج إلى تعريف..؟ فلتكن البداية من هنا وأنت ممن يَشْهدُ على كفاءتِه معظم من عرفك من الطلاب، وتتمتع بحسن التعاطي والمودة والقدرة على الصداقة المترفعة العميقة، وفي شريعتك كما في شريعتي..؟ ليس ما يمنع من تعريف مفردة كثيرٍ أو.. قليلْ، ولا من التقاء الساكنين أو الخطَّين المتوازيين، رضي أو غضب نيوتن وعبدالله العلايلي.. وأنشتاين، وسائرالحريصين على الآداب ومختلف العلوم ما دام “بعضها” لم تتأكد “صحته” بعد. ولا خوف أبدا على لغة القرآن من التحريف، ولو أن اللغة التي لا تتحرك وتتفاعل وتواكب المبتكر الجديد، سيصيبها الوهن والهرم والتخلف الأكيد.

 

كنت على أطراف الماضي البعيد أعلّم ابنتي، حينما أصرَّت أن تستخدم la بدلا من le حرف التعريف الذي يسبقMusée  و Lycée ، وكانت حجَّتها أن المفردة مؤنثة ما دامت تنتهي ب e الحرف الساكن الأخرس، ولا يصح إلاّ أن تكون مسبوقة بالتعريف المؤنث La. وحينما لمستُ إصرارها حدَّ العناد..؟ استجبتُ لها وتركتُها تفعل ما تشاء، وأنا أعجز من أن أسيء إلى آدآب اللغة  الفرنسية، بفعل التواطؤ مع ابنتي وعلتنا في التذكير والتأنيث.

 

وابنتي المعنية بالإشارة، كان من نصيبها أن تتخرج من جامعة فرنسية عريقة. لكنها لا زالت ناقمة على شواذ وشوائب اللغة التي تَعَلَّمَتْها. وتسهرُ في الوقت الحاضر أرفعُ المراجع اللغوية الفرنسية على غربلتها “وتشذيبها” كما أخبرني ذات حين “صديقك الحكيم”، ونحن على منحدرات ضهر البيدر في الطريق إلى شتورة.

 

 فما بالك بلغة تستخدم عشرين مفردة على الأقل، لتدل كل واحدة منها على “حُبٍّ” أضعناه، وعلى “خَمْرٍ” لا يتعاطاه إلاّ المنحرفون الفاسقون، “وسَيْفٍ” طالما روّجنا له حتى سلَّطوه على رقابنا، وبات من أسباب علتنا حتى تقوم الساعة وينفخ في النفير؛ حينما جيَّرَه بعض أهل الأرض، للدفاع عن الحق “المُزَأْبَق” ونصرة الدين الحنيف.

 

إذا بخلت السماء واحْتَبَسَ القَطْرُ في السَّنَةِ..؟ فهي: قاحِطَةٌ وكاحِطَةٌ فإذا ساء أثرُها..؟ فهي: مَحْلٌ وكحْلٌ، فإذا أتتْ على الزَّرعِ والضَّرعِ..؟ فهي: قاشورَةٌ، ولاحِسَةٌ، وحالقةٌ، وحَراقٌ. فإذا أتلفت الأموال..؟ فهي: مُجْحِفَةٌ، ومُطْبِقَةٌ، وجَدَاعٌ، وحَصَّاءُ..! قل لي بربك: هل سمعتَ أحدا على مساحة الوطن العربي المجيد، من يستخدم مثل هذه المفردات البالية التي استهلكها العث والعفن.. وما آلت إليه أسباب المعرفة ووسائل العصر ودنيا الحواسيب..!؟

 

وهذه البلوى الأخرى في أَسمَاء اللَّيْل وأحلامنا المغتصبة..!؟ كالصريم، والعقبَة، والجنان، والسمر، والطِّفْل، والكَافِر، والظل، والخدارى، والخدر، والأخدور، والعكامس، والغاسِق، والأغضف، والغميس، والدجوجى، والدامخ، والحندس، والطيسل، والعمساس، والضارب، والطوفان، والسرمد، والساهر، والردف، والدحمس، والدامس، والقسقاس، والعيهب، والدلهمس.. وكفى “يا ليل الصبر يا مسهر دموع العين، لا أنا عارف لمين أبكي..؟ ولا عارف لمين أشكي”..؟ هذا العذاب اللغوي السقيم.

 

وإذا كانت “رسالة الغفران” إيَّاها..؟ للملحد “الشَّافِر” – بلغة أهل اليمن – صاحب الرأس المقطوع في معرة النعمان، قد تمحورت حول الحشر وما في الجنة والنار، حيث يتحلق المؤمنون حول المآدب في الفردوس، ينعمون بخيرات ما أعدَّ الله لهم من لحم طير مما يشتهون، ومن حور حسان وما في”الجليس الأنيس وأسماء الخندريس، وكؤوس الطلا ومزاجها من الخمر الأصيل، وسعادة نعيم مقيم لا ينقضي أو يزول..؟

 

هكذا صاغ المعرّي صورة الجنة تبعا لما في أذهان العامة ومعتقداتهم، لتتحول الجنة إلى ما يشبه شؤون كل الشهوات على الأرض، فتستباح فيها “المحرمات” على أنواعها، ويغدو التَّمنَّع عن إرضاء الشهوات في الدّنيا، إن هو إلاّ ضربٌ من الذكاء والحكمة والحيلة والدّهاء،ّ وتأخير في المتع مما سيناله المؤمنون في الفردوس. وربما يضيق سكان النعيم برخائهم في السماء..؟ ليُجْمِعوا على التظاهر والمطالبة بالعودة إلى الفساد في الأرض.

 

وما دمتَ شيخي وأستاذي ومن علَّمني التِّيه، والخروج عن سياق الموضوع، فلم تنصحني مرة وتمسكني من يدي، وتردني إلى صوابي وترشدني إلى الطريق الصحيح..؟ فتعال معي واسمع ما قالته هذا الصباح إحدى المذيعات، قبل المباشرة بقراءة الأخبار (وذلك) “بوحي من رسالة الغفران”. قالت بصوت متهدج من خشية الله ومن شدة الإيمان:

 

من قرأ هذا الدعاء مرة قبل طلوع الفجر..؟ كتب الله له شجرة  تفاح في الفردوس، حملتْ بذرتها ملائكة السماء من جبال العاقورة في شمال لبنان، يفيء إلى ظلها مع حورية حسناء – كبدويتك – تخطر مزهوة “بهدوم” مبتكرة من حرير الصين “والساتان” والديباج، وتلتصق بحنايا جسمها الفاتن الريَّان، فتأسر العين وتهفو النفس إلى نعومة جسمها الأبيض الوهَّاج.. أرأيت بنفسك كيف تكون بداية الفردوس..!؟   

 

ومن قرأ الدعاء مرتين..؟ كُتبتْ له الحورية بقميص نوم شفاف. يكشف عن مفاتن جسدها، أشد نقاء من العاج وضوء الشمس في رابعة النهار. يفوح من أردانها “عطر الفردوس من الشام”، وتلوح عاصفة من الرغبة الموجعة من بين نهديها وردفيها البارزين. لكن من قرأه ثلاث مرات على التوالي كتبت له الحورية بلا  لباس، في حديقة غنَّاء تعجُّ بالسمراوات والشقراوات، والخلاسيات من أشهى وأجمل النسوان. فيها ما لذ وطاب من اللوز والجوز، ومن التِّين والخوخ والتفاح والرمان. “.   

 

وأما من قرأه أربع مرات متواليات..؟ فقد زاد الله له من خيرات الرزق في البستان، نهرا من العسل واللبن وساقية من الخمر الحلال، مع كُبَّةٍ نيئة بالزنجبيل من لحم الحجال، في الجرود وعلى  قمم الجبال، تُعِدّها بأيديهن حريم الجنة من أشهى وأجمل النسوان، تزوّد الذكور بطاقة جنسية هائلة قلّما عرفها أقوى الرجال وأشجع الفرسان، وأشجار صفصاف خجولة تميل مع هبّات الهواء، وتنحني دلالا على ضفاف أنهار يوشوشها النسيم، تفيء إليها البلابل والحساسين، وتترنم بالتغريد على أغصانها آناء الليل وأطراف النهار.

 

ومن طوَّل باله وقرأه خمس مرات بلا انقطاع..؟ كان نصيبه من الجنة بحرا نظيفا كساحل “لارنكا” حيثما ولدت “أفروديت” ربة الحب والشهوة والخصوبة والجمال. تسبح على شواطئه قبيلةٌ من الإناث العاريات. “جنس وأكل وشراب وطاقة بلا ضوابط، وراحة وفضاوة بال وحدائق مخضوضرة على الدوام”. هكذا فلن تخلو الجنة من القمامة والسرجين، والمخلفات الملوِّثة نتيجة حتمية للإقبال على الطعام والشراب. الجنة بذاتِها سيلوِّثها هذا الإنسان.

 

 وهذه فحسب بعض سمات الفردوس. ألم ترَ إلآم  أوصلنا التطرف والدواعش من شغل “الأتراك والأميركان”..!؟ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ. فبأيِّ آلآء ربِّكما تكذبان..!؟ وكيف السبيل إلى الصحوة وانتزاع هوية هؤلاء الخارجين على انتمائهم، لدين الحق والرحمة والعدل في الإسلام..!؟

 

وأما من قرأ الدعاء إياه مئة مرة قبل طلوع الشمس، “دقق جيدا بالرقم”، فهات “إيدك” والحقني من كثرة العطاء..! فمتى يا شيخ الشباب ومولانا صاحب العمامة والقفطان، سأجدُ الوقت الكافي لأتنفسَ ولو قليلا، فأعمل وأكد وأشتري خبزا للعيال..!؟ أنا والله في حيرة من أمري، وفي رأسي الفارغ تتزاحم وتصطخب مختلف الدواهي وأسوأ الأفكار، وأتجشم ما عاناه الهدهد صفيّ بلقيس، من المهانة على باب سيده وولي نعمته سليمان..؟ فهل من فتوى يا مولانا الشيخ..؟ ليرحمك رب العباد ورب الإنس والجان..؟

 

يتبع في الجزء الثالث

——————–

 

لا يعرف العنصرية والتعصب

الجزء الثالث.. والأخير

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

 

“ولي فؤادٌ إذا طالَ العذابُ بِهِ
هامَ اشتياقاً إلى لُقْيا مُعَذِّبهِ

يفديكَ بالنّفْسِ صَبٌّ لو يكونُ لهُ
أَعزُّ من نفسِهِ شيءٌ… فداكَ بِهِ”

 

أمَّا “مُسْبَطِرٌ”..؟ موضوع المفردة التي شغلَتكَ “واستبدَّتْ” بإعجابك، والتي أشرتَ إليها في بعض الرسائل المتبادَلة بيني وبينك، فقد تعلمتُها من الراحل ورجل الفكر المبدع سعيد تقي الدين، رفيق أنطون سعادة ومن “مريديه”؛ صاحب نظرية كل مواطن خفير، والروح الثائرة واللهب البركاني الذي لا يخبو. سعيد تقي الدين رحل في الوقت المناسب، حينما لم ينكسر خاطره تماماً أو يعانِ من خيبته بأحوال هذه الأمة المنكودة؛ تنحدر بزاوية حادة فتبلغ أدنى نقطة على “باراپول” الأمم. “إن تراب الدّنيا لن يطمرَ تلك الحفرة العميقة، ورنينُ الرُّفوش في ذلك الفجر الحزين، سيبقى النفير الدّاوي حتى يقظة هذه الأمة. بها ترتفع منارة الحياة على فوهةِ العدم”.

 

 ذلك بعض ما كتبه سعيد تقي الدين في الأيام التي تلت إعدام الزعيم. وكانوا مع طلوع الفجر في الثامن من  تموز من العام 1949 قد أعدموه رميا بالرصاص، بعد محاكمة قصيرة عاجلة تألفت في عتمة الليل، ودهاليز السياسة والخسَّة وأعلى درجات الجهالة والغباء. هكذا نالوا من الزعيم وغدروا به بعيدا من فكره ومبادئه “لتنطوي” صفحة حياته إلى الأبد.  وأتحوَّلْ من جهتي بعد هذه الإشارة المقتضبة إلى سياق المفردة من جديد.   

 

هذه المفردة تعني الانبساط والزّهو والتبختر في المشي وأصلها سَبْطَرَ. ومما قرأتُه في التفتيش عن مدلولها، أن امرأة حاكمتْ صاحبتَها إلى شريحٍ بيدها في هرَّة؛ فقالوا: “ادنوها من المدَّعية فإن هي قرَّتْ ودرَّتْ واسْبطرَّتْ؟ فهي لها، وإن فرَّتْ وازبأرَّتْ ونأتْ بنفسها عنها فتكون لصاحبتها”. لكنَّ مَنْ تعلَّمتُ منه المفردة استخدم الزين بدلا من السين “مزبطراً”.

 

سحرتني فرادة هذا الأديب يرسم أصدق الصور وأنقاها، عن عادات أهل الجبال من طائفة الموحِّدين الدروز، ممن يلتزمون تشدّد الهندوس في التقيّد بسائر عاداتهم ومعتقداتهم وشعائرهم، وأذهلتني شجاعته العالية في مسيرة حياته، ومقاومته الرياح العاتية التي “عصفت بشراعه” في دنيا الاغتراب.  

 

وحينما فتَّشتُ عن أصل الكلمة في أكثر من قاموس ومرجع..؟ قصاصاً للوقت على حسابِ حشرية المعرفة؛ وجدتُها بالسِّين: “كَمِشْيَةِ خادِرٍ ليثٍ سِبَطْر”ِ، وليستْ بالزَّين كما استخدمها المغفور له الأديب والراحل الكبير تقي الدين. ويتراءى لي أن الأديب الراحل، تصرّف بالمفردة على هواه عن سابق إدراك وتصميم، فشاءها دُرْزِيَّةً الهوى على لسان بني معروف من أهل الشُّوف، في دير القمر حاضرة الأمراء المَعْنيين، وَبْعَقْلِيْن المشرفة برصانةِ أهلها من التلال المجاورة، على قرى إقليم الخروب وساحل الدامور.

 

“فمزبطرٌ” بالزَّين المُعَطَّشَة حتى حدود الظاء مع الطاء الغليظة التي تلي..؟ لها مدلول رجوليٌ يتمتع بمفعول تضخيم الزَّين، لتبلغ حد الفحولة والورم وتأتي أشدّ وضوحاً وخشونة، كما يوحي نطقها على اللسان ووقعها في سمع أبناء الجبال، ممن لا زالت نساؤهم يتمسكن بالحشمة، والمناديل البيضاء يسترن بها شعورهن، ورجالهم يتمسكون بارتداء الشراويل الفضفاضة، وقد شمَّروا عن سواعدهم للعمل في زراعة الحقول والعناية ببساتين الفواكه والثمار، فتورّدت وجناتهم بفعل العافية وطيب المناخ. يقولون “الحق” بلماحة وكياسة تؤدي رسالتها دون أن تجرح مشاعر الآخرين.

 

لكأن المفردة المعنيَّة تتمتع بخصوصية رجولتهم المشبعة بالتعبير..؟ لا بتخنثٍ الخصيان مع حريم السلطان وبعض المسلسلات الرمضانيَّة التعيسة، وفيها تظهر سطوة السلطان، ونعومة النسوان في قصور بني عثمان. ففي تلك القصور واستنادا إلى تاريخ الأتراك الطويل، الحافل بشتى أصناف المظالم وتجويع سائر أهل الأرض، كانت النسوان تتمتع بالأمن والأمان، وراحة البال من التّعدي عليهن من الخدم الخصيان.

 

 أرأيت بنفسكَ نزعة الهَبَل في رؤوس هؤلاء البشر العميان، والاستخفاف بما سخرَّه الله للبشر، وسائر المخلوقات من الزواحف والهوام والحشرات ، للتناسل والمتعة والبقاء وبهجة بني الإنسان والحيوان على السواء..؟

 

وبعد؛ فهنا بيت القصيد..؟ هذه المرة ليست مع زاهي وهبي، وضيوفه من المثقفين على قناة الميادين..؟ بل معي؛ وأنا أرى يا شيخي بأمِّ عيني في نشرةِ أخبارِ المساء، كيف يكون جزاء من يتخنث من الرجال. رأيتُهم كيف يرمون المِثليّ المخنَّث من أعلى طبقة في البناء، ما يضمن أبشع أشكال الرعب قبل الموت. مصحوباً بصراخ رهيب وهو يهوي بفعل التسارع وجاذبيَّة نيوتن.. عملا بأحكام الشريعة وتنفيذا لأوامر “الرحمن”؛ وقد أجمعتْ كل المذاهب على المبدأ واختلفوا على الوسيلة..؟ بالرمي من أعلى طبقة في البنيان، أوالشوي على النار أو بالسّحل والذبح الحلال.

 

ألم يكُن هذا جزاءُ المنحرفين عن جادةِ الأخلاق..!؟ وما يحملُ معه من الصدمة والوجوم والتساؤل والحيرة والخوف من عدالة السماء، وأنا أسمعه يصرخ قبل بلوغه الأرض وهو في طريق رحلته إلى الموت. المنظر في غاية البشاعة والهول..! والله حرام؛ أين دورك يا شيخنا وتأثيرك في القضاء، واجتهادك في التمييز بين فعل الحلال والحرام..!؟

 

فهل توقفت السرقات حينما شرَّعوا وقطعوا يد السارق؟ وهل توقفت المثلية بعدما “دهوروا” المثلي من الطبقة العاشرة يا ناس..؟ ما لنا وللمخنثين المنحرفين يا شيخنا..!؟ لِمَ لا نُشْغِل نفوسنا بتأمين الماء والكهرباء، ولقمة العيش ومحاربة الفساد الذي يعصف بالبلاد، ويطيح بالأمل الباقي في وجدان الفقراء..!؟ ولِمَ لا نترك أمر حساب المخنثين والمثليين لله وحده، يقضي بنفسه فيهم فيدينهم أو يطهِّرهم كما يشاء؟ ولِمَ لا يكتفون بحبس المُدان من عام إلى عامين ومن دهرٍ إلى دهرين، إن كان لا بد لقضاء البشر من التدخل في الحساب والعقاب، بالنيابة عن رب العباد!؟  

 

ولو شاؤا يا مولانا..؟ فليحقِّروه ويصفعوه ويبصقوا في وجهه ويركلوه على قفاه. أما أن يستبيحوا دمه كالفراخ..!؟ كنت سأتوسل إليهم أن يحفظوا روحه.. فروحه يا مولانا الشيخ من حق خالقه وحسب. ورب الكعبة والقدس الشريف وبوذا  وميترا النبيّ، والمسجد الأقصى ودماء الحسين.. حرام. كل ذلك صونا للأخلاق على الأرض وتنفيذا لنواهي، وأوامر الله بلا اختلاف بين سائر المذاهب في الإسلام، بل خدمة للدِّين والموعودين بحدائق النور في حضرة الرحمن. ألا يستدعي الأمر يا مولانا الشيخ، إعادة النظر في اجتهاد أو فتوى أو احتيال على الشرع، لتخفيف مثل هذا الجور في الأحكام..!؟ كما نجتهد في الاحتيال على الربا وعلى السفر بقصد الإفطار في رمضان.

 

أما من جانبي يا صديقي؛ فدعني أقل لك ما في خاطري بلا لوم أو عتاب؛ وهو قول لا تحمد عقباه..!؟؟ لكي ينعم العالم بالعدالة والأمن والسلام..؟ فنحن بحاجة ماسَّة إلى مِثْلِيٍّ مُحايِدْ ليس من الذكور أو الإناث، ممن لا يتعصبون لواحد من الجنسين، شرَّعوا له طويلا في الغرب الماجن الملحد المنحرف الفاسق الفاجر، وحرقوا دِينه فكتموا أنفاسه في الإسلام. هذا المنحرف الحقير.. سيحكم العالم بلا انحياز في المشاعر والأهواء..!!  

 

أليس الأفضل أن يحكمَ العالم مِثْلِيّ محايد، بدلا من عُدوانيٍّ ومُكابرٍ وسفَّاح!؟ اللعنة على الضلالة والشيطان كيف يغرِّرُ بنا ويورطنا، في كلام لا يخلو من الحذر والتقيَّة والإحراج، ما دمنا نسخِّر كل حضارة الغرب لصالحنا ونتّهمهم بالشذوذ الجنسي والإلحاد، وننكر عليهم تضحياتهم وجهودهم في ابتكار المحمول والحاسوب، وأدوات جراحة القلب والعين، وتأصيل حبوب القمح لإطعام الجياع على الأرض، وسعي دؤوب لم يتوقف لابتكار علاج للسرطان.

 

ونحن مشغولون بإنفاق المال والثأر فيما بيننا في العراق وليبيا وفي اليمن وفي حاضرة سوريا الشام. البعض والكل على البعض والكل.. “جزم يا عرب” بالجيم العراقية المعطشة، وجيمِنا من زمان في غربي بعلبك من وادي البقاع…!؟ الرحمة والمغفرة والثواب أيها الأخوة، على روح الشهيد أحمد سعيد مذيع النكسة في صوت العرب.

 

مثل هؤلاء ليس لديهم ما يفاخرون به، سوى مال لم يتعبوا في الحصول عليه، رزق من الله يشترون به حضارة الغرب حينا أو ينفقونه على البغاء أكثر الأحيان. إحدى الشركات الشهيرة بنشاطها ونجاحها الاقتصادي في المنطقة..؟ تلقت سيرة حياة Monsieur)) – (السيِّد) عادل الحاج حسن. كما ورد في أعلى شهادته الجامعية، تمهيدا للعمل في الشركة المشار إليها..؟ والمفاجأة المضحكة أن يتلقى صاحب الطلب ردا من إدارة الشركة المعنية، تتوجه إليه بالخطاب من خلال (منصور) عادل الحاج حسن..! وصديقنا (منصور)  لا يعرف ولم يكتشف حتى اليوم.. كيف وصله بالبريد رد الشركة الموقرة..؟ في بلدة يربو عدد المقيمين فيها، عن عشرات ألآلاف من السكان..!؟

 

الشيطان يا مولانا الشيخ يلعب دوره بإتقان، فيورطنا في كلام لم يكن منصفا بحق مراكز الأبحاث في الغرب وبلاد الأميركان..؟ فلنتوقف هنا يا صديقي بعدما نصحتني أن أعتدل قليلا في الخطاب، وأبدَّل في العنوان فأختزل الشّطط وأعتمد الحيطة والحذر ورشاد العقل والوجدان. ولكن لماذا تأخَّر العرب ويتقدَّم الغرب في مختلف المجالات..؟ فإن مهند النابلسي يعزو السبب إلى تركيز الغرب على المستقبل أكثر من الحاضر والماضي. الغرب الذي تعلم كيف يخطط ويبني، وتعلم كيف يقدِّر بل ويقدِّسُ الوعي والدقة في تنفيذ الأعمال.

 

أما إذا كنتَ يا صديقي قد تعرفتَ إلى مفردة “مزبطرٍ” عن طريقي..؟ فأنت من علمني الشرود عن سياق الموضوع والتورط  في المخاطرة والمحظور الذي لا يخلو من طول اللسان..! مهما يكن الأمر ففي التعامل معك، سأستخدم صيغة سعيد تقي الدين بالزين المخالفة لأصل اللغة، وهذه ليست مؤامرة على سلامة اللغة من التحريف إن لم يكن مني أنا الصعلوك..؟ فمن سعيد تقي الدين الكاتب المبدع اللماح أحسن الله إليه وطيب مثواه.

 

كنت أردُّ مرة على تعقيب تناول مقالة كتبتها، وحظيت بنصيب وافر من القراءة والتعليقات، وخطر لي أن أحاكي مفردة “تأرَّض” أي هبط على الأرض، كما في “أقمر” أي غزا القمر ما فعله ذات حين نيل أرمسترونغ، أو “استحلى”  كما هي حالنا في بيروت مع “البابا وحلوى الحلاّب”، و”اسْتَلْحَمَ” كبعض أصحاب اللحى والعياذ بالله، ممن يتهالكون على الثأر من اللحم، فيفتحون بأصابعهم أنفاقا في مناسف الأرز أمامهم على الطعام “، و..”زَبْزَبَ”..!؟ لا.. لا يشط بك خيالك بعيدا. ودعك من النوايا الخبيثة وحكي الزّوايا . سامحك الله هو عنب الكروم المجفف يا صاحبي.. والسلام.

 

حينما خطرتْ لي فكرة محاكاة المفردات..؟ خيل إليّ أنني عثرتُ على ضالتي في فعل “امْتَرَتْ”، بمعنى تطلَّعتْ إلى نفسها مزهوة أو مخدوعة بجمالها في المرآة. ورقص قلبي طربا للمفردة الجديدة المبتكرة، يدخلها صعلوك مثلي أو “سعلوك” تخفيفا لوقع سين الأنوثة بدلا من صاد الرجولة على أذنيَّ وأذنيك. واعتبرت نفسي يومها شديد الموهبة والنباهة في ابتكار المفردات، وهذه المفردة الجديدة المبتكرة – وليست كذلك إطلاقاً – ستتشرف اللغة العربية أن تحتضنها وتفخر بها، فأبزُّ بها عبدالله العلايلي وبديع الزمان الهمداني، وناصيف اليازجي ومجمع البحرين، لكي أصاب بخيبة أمل جديدة إضافة إلى خيباتي المتكررة، التي ضاعت في أعماق ذاكرتي لعدم قدرتي على الأحصاء.

 

 لكن خيبتي هذه تشبه على نحو ما، ما أصابني في الشعر على يد السيد علي الحكيم، ذلك أن صديقنا الحسن بن هانىء كرَّم الله وجهه وطيَّبَ مثواه، كان قد سبقني إليها منذ أكثر من ألف عام، وها أنا أسمع صوته يأتيني من وراء الغيب وهو يزيح عن مثواه تراب القبر، وينهض مترنحا من سكره من بين الركام، وما أصاب تمثاله من الأضرار على أيدي الملحدين العابثين الفجّار.. قريبا جدا من ديار هدى المهداوي في بغداد، وهو يشتمني ويصرخ في وجهي ويهددني حانقاً ويقول:

 

هيّا ابتعد من طريقي أيها الوغد الحقير، ألم تسمع ما قاله عني “أبو عثمان”..؟ بأنني في “حلّ من الطَّبع ما دام شِعري يطرق باب القلوب ليدخل بلا استئذان، ولم يرَ صديقي الجاحظ رجلا أعلم باللغة ولا أفصح من لهجتي في البيان”. هيا ابتعد من دربي أيها النكرة فأنا خير من يبتدع الكلام، ويحسن الدفاع عن المثليين، ولا زلتُ على ريق بطني وأشعر هذا الصباح بالتقزز والغثيان، فابتعد عني لكي لا أتقيأ عليك وعلى المتنورين الثوار، وأهل الشعائر من أصحاب اللحى من خلفاء هذا الزمن العار، ممن يَزْبَطِرّون في لبس الجبة والقفطان، فلم يكفهم الرأس المقطوع في معرة النعمان في بلاد الشام، حتى نالوا مني وخرَّبوا نصبيَ في العراق، لأنني تماديت في حريتي ونظمت شعري كيف كنت أعاقر الخمر، فألهو وأسكر وأعشق الغلمان والنسوان.

 

وما سمَّيتموه من بعدي بالأدب المستور..؟  لم ألجأ في نظمه إلى التورية والإشارة في الدلالة والتعبير، بل باستخدام مباشر وصريح للمفردات المُعِيْبة على اللسان، فلم يحجبها بل جمعها بعض علمائكم كجمال الدين بن مكرم بن منظور..! فليكشفِ الله سوأتكم وعاركم وخستكم المخبوأة في متاهة عقولكم يا أهل هذا الزمان.

 

“ألا، لا أرى مثلي (امترى) اليوم في رسم
تغص به عيني وينكره وهمي،
أتت صور الأشياء بيني وبينه،
فجهلي كلا جهل،  وعلمي كلا علم.”

 

فجهلي كلا جهلٍ وعلمي كلا علمِ..!؟ وهكذا يمكنك أن تفعل باللغة، ما يحلو لك ويطيب لخاطرك، فتسخِّرها للعتابا والميجانا نكاية بالمتحمسين الأدعياء لعدم المَسّ بها. ما دام بعض زناة العرب والمسلمين، قد فعلوا ما فعلوه واستباحوا حرمات بعضهم البعض، بلا عتب أو غضب أو ندم أو حساب..!؟ ثم تعال وامسح ما فعلتَه بجبتي المهترئة من أرخص “البالات”. “وعَبالي عَنِّتِ بلادي عَبَالي/ وْعَلَوّا مِنْ نَسْجْ  يَدِّك عبالي”. العتابا من تراثنا الشعبي الجميل، ستكمل  لازمة البيت بحماسة وإرادة طيبة دونما طلب مني أو رجاء، وذلك على مذهب زهر البنفسج.. وريح الشمالي يا نسيم بلادنا، ويا ربِّي تكبرْ مُهرتي”. هذه المرة بالميجانا الوجه الآخر من عتابا أهلي وأهلك في الشام الحبيب، الذي أمعنوا فيه ترهيبا وتدميرا “وتخريبْ”.. تخريب؛ التي لم أعطفها على ما قبلها نكاية وشماتة.. فيك.

 

 

ولئن لُمْتَني يا صديقي على المديح والثّناء..؟ فهذا “بِزَّكَ”؛ أنا أفهمك جيدا وأعرف كيف أحُكُّ لك بظفري ما “يرعاك”، وأن الإطراء وإن أسعدك كما يسعدني، لكنه لن يطيح بعقلك أو بعقلي، فيعصف بنا ويسكرنا لنغيب عن رشدنا، ما دمنا نعرف أنفسنا جيدا؛ فمن عرف نفسه فقد عرف قيمته، ومن عرف قيمته فقد جثا على ركبتيه وحنى رأسه للآخرين. ولسان حالك وحالي يردد مع رابندرانات طاغور، نبيِّ الهند وشاعرها وشمسها المشرقة على الكون:

 

 “يا رب ساعدني على أن أقول كلمة الحق في وجه الأقوياء، وساعدني على ألاّ أقول الباطل لأكسب تصفيق الضعفاء. يا رب إذا أعطيتني نجاحا فلا تأخذ تواضعي، وإذا أعطيتني مالا فلا تأخذ  سعادتي. يا رب إذا نسيتك فلا تنسني”.

 

أخيرا؛ فلا عليك يا صديقي.. لا عليك أبدا من أخطاء وهفوات القواعد. القواعد ليست مطلقة وليست نهاية الكون في حال من الأحوال..  وما من مطلق إلاّ الموت. وأما في الفكر والتعبير والمعتقد فسبحان من لا عيب فيه.. أليس كل ما هو خال من الأخطاء يشبه الله..!؟ والله ليس له من مثيل أو شبيه.  نحن بشر ياصديقي، وكلما ارتكبنا مزيدا من الأخطاء..؟ كلما كنا إلى حقيقة الإنسانية أقرب.. ألم يكن الحسن بن هانىء مرة أخرى عبقريا ومُلهَما كالخيام، وصوفيا كالحلاج وهو يقول:”يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر”.

 

فقدتُ منذ بعض الحين ثلاثمائة صفحة أضعتها في متاهة الحاسوب، ما يعادل حجم كتاب متواضع من الخربشة المنكودة، التي لا تجدي كثيرا.. ولا تنفع. لا سيَّما ولم يخطر في بالي مرة أن أجمعها وأطبعها في كتاب؟ فلا ينبغي أن أندم كثيرا على “الخسارة”. لكنني لم أنم ليلتي وكادت تصيبني سكتة في قلبي على تعب طويل بذلته في تسويد تلك الصفحات العقيمة.. فما بالك بالله يثأر من عباده من صنع وإبداع أياديه..!!؟ إن لم تصدقني فتعالَ معي إلى مظفر النواب، يلقي عليك سلامه ويتوجه إليك بهذا المزمور البديع من أحلى الكلام. مظفر غابت أخباره من زمان، أسأل الله أن تكون قد توقفت آلآمه، وفوَّض أمر دنياه وآخرته إلى مشيئة الله رب العباد.

 

“هل تاب الخالق من خمر الخلق

ومسح كفيه الخالقتين لكل الأوزار الحلوة في الأرض

فأتوبُ..؟ تلك ذنوبُ..!!

تعال لبستان السر أريك الرب على أصغر برعم ورد

يتضوع من قدميه الطيب

 

قدماه ملوثتان بشوق ركوب الخيل

وتاء التأنيث على خفَّيه تذوب”.

 

رَيِّحْ بالك يا صديقي وتعال معي إلى “الله في داخلك”، يناشدنا نبذ العنف والدماء لبلوغ الفردوس المنشود، فلا ينبغي يا صاحبي أن نخشى أو نخاف الله الذي نؤمن به ونعرفه فهو لا يحرق ولا يشوي. ومن يخاف الرحمن الرحيم؟ لهو محدود الفهم والفكر قليل الحيلة والتقوى، وهو ملتبس وموهوم وناقص الفعل والعقل والإيمان والدين.

 

 ألم يتناهَ إليك ما كان من أمر نبيِّ الله داود..؟ وهو يرى من سطح بيته صنع الله وإبداع أياديه، يتجلى في امرأة أوريا الحثي قائد جيشه، وهي عارية تغتسل في دارها فيطيح بصوابه المشهد، وتسجد نبوته عند قدميها ومستودع أسرارها وجسمها العاري الجميل، فلا تتحكم فيه منعة الروح، وتعصف الرغبة بنبوته فتزلزل كيانه من عمق الجذور.

 

 ولكن؛ من قبيل الحيطة والحذر وحسب..؟ أعقِلْ قليلا وتوكَّلْ ولا تتمادَ كثيرا في ضلالك، فإن لم تقتل وتسرق فلا يصح أن تشهد بالزور “إلاّ لمصلحتي”..! ولا تتورط أو تزنِ ما دام باب المتعة والفرج مفتوح على مداه. وهكذا تنأى بنفسك عن الإساءة لأحد.. وتأكد بعد ذلك أن الله غفور رحيم لا يشوي ولا يحرق، ولا يمعن في تجديد الجلود.

 

 ولكي يطمئن بالك ولا ينشغل فكرك على حالك..؟ هذه وثيقة مرور  تجتاز بها كل حواجز الخطف على الهوية، مما عرفناه طويلا في حربنا الأهلية على الحواجز الطيَّارة، بين الحركة الوطنية وقوى الانعزال، “حينما كان الواحد منّا – بتعبير مظفر النواب – يحمل في الداخل ضده”.

 

 ثم تجوب بوثيقتي أربع رياح الأرض، آمنا مطئنا على سلامتك بلا تأشيرة أو سمة دخول، في عالم يتمتع بالعدالة والهدوء، ويخلو من أسباب القتل والمظالم والترهيب، في ظل حاكم مِثْلِيٍ وحياديٍّ عادل لا يعرف العنصرية والتعصب، وربما كانت الوثيقة صالحة أيضا لتدخل بها الجنة، التي وعد بها الله عباده من المؤمنين المتقين، وحارس بابها واحد من قومنا دون سوانا من أهل الأرض.. أجمعين.

 

 ولو تجاوزنا فترة العيد قليلا يا صديقي؟ فكل عام وأنت مرجعي وشيخي وقدوتي، وعمامة بيضاء على قِمَّةِ رأسي، العمامة التي طالبتني بها في التباسك للتفريق بين شيخ ومريد…!؟ والقِّمة بالكسرة على القاف، وليست بضمة العبء الثقيل على ذمم السياسيين المحترمين، ممن جرَّدوا بلادنا من اللحم، ليتناتشوا فيما بينهم ما بقي من عظام خروف العيد السَّمين.

 

 

 

 

 

 

ابراهيم يوسف

Read Previous

حوار عبر الرسائل بين عمر وكريستيان

Read Next

تَبَلَّغْ؛ وَبَلِّغْ

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *