نساءُ الله رسالة پانورامية

نساءُ الله رسالة پانورامية

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

إلى أخي… وصديقي
د. أحمد شبيب دياب

تعقيباً

على العهر الأدبي
وهوية الشاعر 

 

لا تسلنا.. كيفَ 
يَغْنى 
الحبُّ فينا والرّجاءْ

يا هوانا نحنُ 
أهلُ الحبِّ
نَسْمو بالوفاءْ

أرضُنا ما بَخِلتْ
يوماً
علينا بالعَطاءْ

وسمانا أبداً تزرعُ
فينا الكبرياءْ

عبد الكريم شمس الدين

ذات مساء تواصلت لساعة
كاملة
في دار الأوپرا الألمانية
عاصفة التصفيق لپاڤاروتي

***************

فهل سَمِعْتَ “وديعا” يُغَنّي؟؟
وكيف پاڤاروتي
لا يساوي شيئا بجانبه!؟

وديع حقّاً.. “أكبر من بلدو”
وقد نالوا منه ودمروه
فلم يرحموا وديعاً في قبره
“ولا لوحات.. ألله راسما 
وشطحات أحلى من الحلى”

سامحني وليسامحني 
في ضريحه
الرئيس الحريري 

لبنان فردوس
الله على الأرض، لكن
حكّامَه وسياسييه
خرَّبوه
ولم تعد تنفع فيه 
الحسرة والدموع

وبعد؛ دعني في البداية وأرجو أن تصدقني؟ دون أن أرفع يميني عالية وأقسم أمامك بالحق ولا شيء غير الحق؟ أنني بعيد تماما من الحكي في الزوايا المُعتِمة وسوء الظن المبيّت، وما أقوله إن هو إلا بعفوية خالصة بلا تخطيط. 

لئن لم نكن السبب المباشر في ضياع فلسطين؟ فإنها من مسؤولية جيلنا وميراثنا للأجيال القادمة، لأن الصهاينة مغتصبو الأرض الحرام؟ هم سبب النزاع والمآسي المتواصلة في هذا الجانب من الأرض، ولا يصح لأحد من العرب، ولا من أحرار العالم أن يتبرأ من دم هذا الصدِّيق، يرزح لسبعة عقود تحت عبء القتل والدم المسفوك.

ولو أن الڤاتيكان اتخذ قراره ذات يوم في تبرئة اليهود، من دم السيد المسيح على حساب الحق في فلسطين؟ وألمانيا “المُدانة” من المُتَظلِّمين بمحرقة اليهود، لم تزل ترزح تحت “عبء الضمير”وتؤدي”الجزية” لليهود؟

 فلا يصح لباقي العرب أن يسكتوا أو يسامحوا أو يتهاونوا، لأن “الإمارات العربية” اتخذت قراراها بالصلح والتطبيع، بعيدا من حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم. وهذا عمر موسى وما أدراك من يكون الرجل؟ “الأمين” العام “لجامعة الدول العربية”، قُبِّحَتْ خلائق الله فيه وهو يشجّع ويروّج للتطبيع مع العرب الآخرين. 

أما حينما يكون الانتماء ملتبسا، كواقع طوائفنا في لبنان، وكلٌ يغني على ليلاه؟ فيعني أن نزاعاً متواصلا لا يهدأ ولا يستكين، يدأب في التفتيش عن الهوية الضائعة بين العرب والفينيقين، حينما اتخذوا قرارا خجولا بوجه لبنان العربي الجديد. ولبنان الكبير رسمه غورو على الورقة بالقلم، حينما أخطأه أدهم خنجر وأصابه في ذراعه الخشب.

وأدهم خنجر ابن المروانية من ثوار جبل عامل، ممن تصدوا ببسالة للانتداب الفرنسي، ووريثه الرئيس بري  حينما أطلق اسمه على إحدى قاعات دارته في المصيلح، تمجيدا لذكرى الثائر الذي أعدمته السلطات الفرنسية.

والرئيس بري أيضا وريث الإمام السيد موسى الصدر، وأخويه الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين. وهناك دائما من يكتفي بذكر المرافقين دون الإشارة إلى الأسماء. وها هو ماكرون يلعب دور الإمام المغيّب؟

ويعود إلينا من باب الطوارىء لتسوية خلافاتنا وإخماد نار المرفأ، ويحتفل معنا بمرور مئة عام على نشأة لبنان الكبير، بشحطة قلم من سلفه غورور السيِّىء الذكر والتاريخ. وربما كان على الرئيس بري استقبال ماكرون في قاعة أدهم خنجر، أو الروشة قريبا من الصخرة، حيث أعدِم  المناضل لا في بعبدا ولا عين التينة وأي مكان آخر. 

يا حبيب قلبي يا د. أحمد.. هناك من اللبنانيين ممن عرفتهم يتنكرون لعروبتهم ولغتهم خجلا، ويروِّجون “للغتهم اللبنانية” أمام فيض من الفرنسيين الأغبياء. بالرغم من تاريخ فرنسا الحضارة العريقة ولغة الآداب.. والمشاهير.

ومن خارج السياق كنت سأعلق وأثني على حكاية إيڤا شتال – حمد. للأخ الصديق فراس حج محمد في السنابل؟ بالإشارة إلى موسى شعيب إبن الشرقية في الجنوب، وقصيدته عن هيفا تنتظر الباص على المفرق في تل الزعتر.

وهيفا، هيفا في الدار
في لوحة، في الجدار
تنحلّ في الكأس
تنساب لحناً لفيروز
ترحل في الخوف خلف الحدائق
وتبقى أصابعها ودخان الحرائق

 والحب يعرّش في القلب كعلّيقة
وعيون الفتيات تمرّ تنقر في القلب

والخجل العربيّ يعرّش في القلب
يميت عيون الفتيات وأحلام القلب 

كانت هيفا… تنتظر الباص
على المفرق
في تل الزعتر
يخفق صدر هواها بالأحلام
ويمتدّ هواها
من كحلة عينيها
حتى أول جرحٍ في عيني يافا 

كانت هيفا تنتظر الباص ولا تعلم 
أن الدرب الفاصل
بينهما.. أطول من عمر هواها 

كنت من بين الحضور حينما ألقى قصيدته في بلدة زفتا، بعد “سقوط” تل الزعتر “وسقوط” الدامور على الأثر.

في الداخل: اشتراكي درزي، على قوات وكتائب ماروني “وكوتالي”، على مردة من بيت فرنجية، على ديمقراطي وتوحيد عربي إشتراكي، على طاشناق أرمني، ثم إلى ميشال عون وعلة الإصلاح والتغير والإبراء المستحيل. 

تبادرَ إلى فكري أنه لم يكن مجرد عنوان لكتاب يدعو إلى الرقابة والتدقيق، وكيف تصفعنا النتائج الكارثية ليس بسبب الإبراء المستحيل بل بالإصلاح والتغيير. وحزب الله الشيعي وانحيازه لإيران وحليفين متورطين حتى الأذنين ولو بأطيب النوايا للتغيير. وأخيرا الحزب الذي أنشأته زوجة المغفور له أبو علي حبيقة طيب الله ذكراه.

هذه عينة فحسب والكل لم يقصر في التّبعية والفساد، باستثناء قلة معروفة بالأسماء.. ومهدئات تفتك بالأعصاب. 

وما نتج من تداعيات انفجار “بِيْرُوشِيْما” المرفأ، والدموع على الضحايا والخراب؟ لم يأت إلا بفعل فسادنا وما يستتبع بعد الفساد والخراب من: خطأ وانحراف واهتراء ونقيصة وسفاهة وذنب وإثم وفسق وفجور وضلال.

ويبقى أشد ما يخيف اليوم إثارة الغرائز.. واللعب بالأمن والتدخل من الخارج وفي الداخل.. وكلٌ ينتصر لجماعته.

وليس متاحا إلاّ بالتمني والأحلام، أن نستقدم حكاما من كوكب آخر، فأين سنفتش عن الهوية بنت الحرام..!؟ 

هل تُصَحَّحُ بعض عللنا بالإنتخابات النيابية المبكرة؟ التي طوشونا بها ووفق أي قانون ستجري!؟ ولو تفاءلنا خيرا فهل فعلا سيتفقون في مدى سنوات على نظام انتخابي (عادل)، لا يخدم تماديهم في الفساد ودعس العباد!؟ 

التجربة شديدة المرارة لو حصلت الانتخابات وفق القوانين القديمة، التي فصلت في كل حين على مقاس الطوائف والسياسيين، حينما كانوا يستولدون نفوسهم في كل انتخاب. وما من مرة دخلنا حربا أهلية إلا وكانت نتيجتها لا غالب ولا مغلوب. ومؤشرات الحرب الأهلية تلوح بوادرها، وتطرق أبوابنا ولم يكن آخرها ما حدث في خلدة.

على أطراف الماضي كانت المراهنة على الشيوعي؟ وخاب تفاؤلنا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وربما  يأتي يوم تتولى أميركا الدفاع عن شيوعيي العالم. وهناك من الرأسماليين من كان يفاوض فيشتري جثمان لينين لترميمه.

هل سينجح الرهان على السوري القومي؟ لا أدري لا سيما وقد انقسم الحزب من الداخل إلى جناحين، وانقضى زمن الرهانات، ولم تتحقق أهدافه – خلال دهر طويل – بوحدة سوريا “المصير المشترك”.. بعد أعدام الزعيم.

انقضت عقود طويلة والعمر يغالبنا ويسرع بالأفول، وهذا الوضع قائم منذ “الاستقلال” شديد الفساد والتعقيد.

“الله ما بيقدر يحل هالعقد والعياذ بالله من قولي”. خاصة بعد النكبات المتواصلة السياسية والاقتصادية والأمنية والوباء وانفجار المرفأ. لننتظر قليلا ونراهن على الدولة المدنية المطروحة! لا سيما وأن الغلاة من آلهة الطوائف عندنا، من أمراء الحرب الأهلية ممن عادوا إلى حكم البلاد؟ وأكثرهم  تعصبا لموقعه؛ ينادي..؟ بالدولة المدنية!

ولم يتوافقوا بعد على الزواج المدني، ليعود أدراجه من قبرص إلى بيروت. فهل رأيت كيف يكون العهر والنفاق!؟

 أقاموا اليوم في معراب قداسا سنويا، عن راحة نفوس الشهداء في القوات اللبنانية. كان القداس في قمة التنظيم، رافقته المآثر وأجمل المعزوفات والتراتيل. لكن هل كان طوني فرنجية من الشهداء المحتفى بهم في القداس!؟ ولئن غاب عن القداس رشيد كرامي “وطار الحمام، حطَّ الحمام”، فعلام يغيب داني شمعون من حزب الوطنيين الأحرار!؟ لبنان اليوم شطب عليه بالأحمر، وانتظر حتى يفرجها الله، وتتحقق العدالة بفعل عجائبي بلا قداديس.  

العدالة على الأرض ستبقى المعيار الأساس، الذي يمكن أن يعتبر إيذاناً بقيامة الوطن والدولة، والمجتمع السوي الذي يرفض ثقافة الجريمة، وحضارة القتل وانهيار القيم، ومبادئ انتهاك الأخلاق والأعراف والقوانين والأديان.

لا تتعب نفسك؛ فالصراع قائم بين البشر منذ الأزل. يداجون وينافقون في السلام وهم يتنكبون أسلحتهم ويتوجهون إلى الحرب. حاول ماركس بأطيب النوايا “تخليص” البشر من الظلم، ومن الفقر والجهل والمجاعات واستبداد رأس المال. لكن هذا “المخدوع” بنفسه وبالبشر تحدى قدرة الخالق سبحانه..؟ وهو يحاول تدجين الوحش فينا..؟ ليأكل الذئب الحشيش ويتآخي مع الغنم؟! فأين نحن يا صاحبي من مبادىء ماركس ومن عدالة التوزيع؟

الهوية التي نتقاتل لنصرتها؟ ليست الوسيلة المثلى لبلوغ الفردوس. الفردوس لا يبلغه الأفراد أو المشاة على أقدامهم وراكبو الدراجات الهوائية. لا يبلغه إلا نيوتن على متن طائرة تجاوزت سرعة الصوت “بتلاتي 3 ماك”.

ولئن لم نَمُتْ بسبب انتشار الوباء؟ سيقتلنا طول الحبس في البيت. لكن؛ لعل الموت في الهواء الطلق أهون منه في الحبس. هكذا قررنا الخروج من المنزل لنتناول طعام الغداء، ومررنا ونحن في آخر الشهر نسحب مالا من المصرف، الذي اختلس وديعتي بالدولار وشتمت إدارته، في مقالة نشرتها في بداية الأزمة وانهيار الاقتصاد.

 المهم.. أنني سحبت مليون ليرة لبنانية.. قدّيش؟ مليون ليرة لم تعد تشتري صرماية عتيقة جل قدرك. نقدنا إياها ال A.T.M  في خمس عمليات متواصلة الواحدة بعد الأخرى: مئتان مئتان، واستغرق سحب المال نصف ساعة. 

ثم أكملنا طريقنا لتناول الطعام فمررنا بالمتحف الوطني اللبناني على طريق الشام!! ردد معي النشيد الوطني بالصوت العالي بحماس. ما شاء الله على التاريخ المجيد! واستغربت أكثر مما يخطر في بال أحد! أن يكون لهذا البلد متحف وتاريخ! في وطن تحكمه ثلة من القوادين والأوغاد! هكذا قال في وترياته الليلية.. صديقك مظفر. لكن مش “كلن” كما تردَّد طويلا في الساحات.. لكي لا أمكِّنهم من نفسي والوقوف بذلة أمام قاض يحقق معي.

ولا يصح أن أقارن نفسي بصاحبك مظفر؟ يدعوهم بأولاد القحبة وأدعوهم بالقوادين. وداهية الدواهي عندنا عجز القضاء عن إدانة السياسيين المرتكبين وحاكم البنك المركزي والمصارف. لكنه يقاضي ويدين الغلابى المساكين. حاله كحال جحا مع خالته؟ كل الناس يستبيحون سمعته، وجحا يستوفي حقه تشهيرا بالمسكينة خالته.

وهكذا أخذ ماكرون على عاتقه، إصلاح ذات البين بين أبناء “البلد الواحد”، ليعالج تعنتهم وتعصبهم وغباءهم وقصورهم، ويثبت من جديد تبعيتنا لفرنسا “الأم الحنون”، وهو يتوجه إليهم بلغة فرنسية بليغة.. لم تخل من لكنة أميركية.. وأن قطيع الماعز من البهائم، ممن ينتظرون الخارج ليملي إرادته عليهم، دون أن يشعروا بالمذلة والهوان على هويتهم اللبنانية. هؤلاء لا تليق بهم الأنهار والجبال، وجمال البلدان أو المرافىء وعزة الأوطان.

إحدى مندوبات قنوات التلفزة المحلية لتغطية أخبار الزيارة؟ كانت تتحدث إلى محطتها وتنقل إليها المستجدات، حينما دحرجت على لسانها الراء، في اسم الرئيس الفرنسي، وهو  يعظ ويؤنب القادة اللبنانيين في قصر الصنوبر. حوّلتِ الرّاء إلى غين تقليدا للباريسيين على وجه التحديد، في تصنع منفر يثير قبل سخريتي.. سخرية الفرنسيين.

وما لم يقله مظفر؟ قاله صاحبي كرم الله وجهه أبو نواس: “عاجَ الشّقي على رسمٍ يسائِله ** وعجتُ أسأل عن كرخانة البلدِ”- انتهى بو النواس – فلا عاش من يرجو في الأرضِ عدلاً ** ولم يفلحْ من يلقي ناراً على حطبِ.

هذه فقرتي الأخيرة وأرجو أن فيها ما يسعدني ويرضيك. فقد تابعت اليوم بشغف شديد لساعتين فيلما بديعا عن مانديلا، وأنا مُسمّر في مكاني مشدود النظر إلى الشاشة فلا تفوتني لقطة أو مشهد. صدقني؟ وجدت فيك نفحة من هذا الرجل، وأنا مرتاح الضمير أصرُّ وأعني بدقة ما أقول. وأما رشيد طه فمن حصتي.. ربي يحفظك ويقويك.  

ولما كانت العواطف الإنسانية رديفة الحسّ الثوري؟ فينبغي أن أنقل إليك ولو لقطة سريعة عن الفيلم، حينما كان مانديلا يراقص أمينة سره. امرأة بالغة الفتنة فشرت امرأة رشيد طه من جزر القمر في قصيدته: واحة من قلب الصحراء العربية؟ وهو يضمها ويطوق خصرها وقد “تأودت أعطافُ بانِها بين يديه”، ويهمس في أذنيها كلاما دافئاً: كان أبي متعدد العلاقات بالنساء، لكنني لم أكن يوما كأبي؛ إلاّ أنني عَوَّضْتُ فيكِ كلّ نساءِ الله.. يا سيِّدتي. 

ابراهيم يوسف

Read Previous

لحظات رهيبة في سماء بيروت

Read Next

سيادةُ العقلِ.. إلى أينْ؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *