دهرٌ من التّشهيرْ والسُّمعةُ المُسْتباحة

دهرٌ من التّشهيرْ

والسُّمعةُ المُسْتباحة

إبراهيم يوسف​​ ​​ لبنان

 

أمثولة قرأتها في طفولتي

في أحد أجزاء الكتاب الفريد

Le livre unique

ولا زالت ترافقني

​​ وتستفزني​​ منذ ذلك الزمن البعيد

وتناديني بإلحاح​​ لأنتصر

للجندب​​ على النملة اللئيمة​​ 

والجندب​​ المسكين​​ إلى زمان بلا حدود

 

أتقدم بإهدائها

للأطفال​​ الصِّغار..​​ وللكِبار​​ أيضا

جنبا إلى جنب

 

 

وتقتضي الأمانة الأدبيّة

الإشارة​​ إلى​​ أنّ​​ الحكاية​​ 

نُشِرْت في مجلة عود النّد

منذ عقود من الزّمن​​ 

 

وما نشرُها اليوم بصيغة جديدة

​​ إلاّ استجابة​​ لإلحاحي على نفسي​​ مقروناً​​ بالشكر

لعلها تسعد​​ نور وحسام​​ وهادي وداني​​ وأمير

وميلا​​ وديڤا​​ وياسمينة​​ 

وموريس​​ وألِكْسي​​ وكل الأطفال الآخرين

ممن يعشقون حكايات آبائهم وأمهاتهم

والوسن يداعب جفونهم المتفائلة وقلوبهم​​ تلهج

مع​​ ​​ الرجاء في مستقبل مشرق لا​​ حرب فيه ولا حقد​​ 

مُرَّ بي يا واعداً وعدا مثلما النسمةُ من بردى

تحمل العُمْرَ تُبدِّدُه آه ما أطيبه بَدَدا

رُبَّ أرضٍ من شذىً وندىً وجراحاتٍ بقلبِ​​ عِدى

سكتت يوماً فهل سكتت؟ أجملُ التاريخِ كان غدا

 

 

على طريق الرّيف،​​ مَضَتْ​​ "رَازْ"​​ تجوبُ البراري، تنتقلُ​​ من حقلٍ​​ إلى حقل،​​ تجمعُ​​ حبوبَ​​ القمح و مختلف البذور​​ التي خلّفها الحصادون.​​ راز​​ صَبِيَّة​​ مُتَوهِّجة​​ المشاعر لم تزلْ​​ في​​ ريعان​​ الشباب. تتمتع بقوام ممشوق​​ وعينين ساحرتين،​​ ووجه مشرق​​ يفيض بالمودة والرضا​​ والسلام،​​ ورصيدها في الحياة​​ إرادة​​ صلبة​​ وعزيمة​​ لا تلين.

 

بكَّرت​​ ليلة الأمس​​ فنامت​​ مع​​ مغيب الشمس،​​ وأفاقت​​ عند طلوع​​ الفجر نشيطة​​ متفائلة بالدّنيا،​​ عازمة أن تنجزَ​​ في أيام​​ قليلة،​​ ما فاتها خلال​​ موسم​​ الصيف، بعدما تجاوزتِ​​ المحنة التي ألمَّت بها،​​ عندما​​ كانت​​ منهمكة​​ تحنو على​​ جدتها،​​ وقد​​ تحوَّلت في آخر أيامها​​ بفعل المرض​​ إلى كومة من عظام. لكن العجوز لم تقضِ إلاّ​​ بعد​​ مواجهة شجاعة مع​​ المعاناة، ولم​​ يكن​​ عمرها لينتهي في مطلق​​ الأحوال،​​ بغير​​ الموت والتسليم​​ بإرادة الله.

​​ 

كان​​ الخريف​​ قد اقترب من نهايته، والبرد بات​​ على الأبواب، و"راز"​​ لم​​ تتحضر بعد لليالي البرد الطويلة، ولم​​ تبدإ​​ السعيَ​​ بعد​​ لتدبير​​ مؤونةٍ للشتاء.​​ الشتاء الذي​​ يخشاه​​ الناس وسائر المخلوقات، فتتحضّر له قبائل النمل والحشرات في شتّى بقاع الأرض.

 

والحقيقة​​ الساطعة​​ التي لا تقبلُ​​ الريب​​ ولا​​ تدعو إلى التشكيك؟​​ أن راز​​ شابة​​ رصينة​​ وجمالها يسبي​​ القلوب​​ والعقول.​​ لكنّها​​ تكتمُ​​ ما في نفسها ولا تبوحُ​​ بسّرها​​ أبدا.​​ 

 

قلَّما تلهّت​​ أو أضاعت وقتها​​ بلا جدوى؟​​ أللّهم إلاّ في​​ تلك اللحظات​​ المُحَرِّضة​​ السّعيدة​​ التي​​ دهمتها،​​ فاستسلمت لها​​ وشعرت بالضعف أمامها، حينما​​ تناهى إلى​​ مسامِعها صوت رخيم وأنغام شجيّة،​​ يعزفها على كمانه جارها وصديق طفولتها​​ "مِيْرْ".​​ 

 

مير..؟​​ جندب​​ الشّجر​​ الأخضر​​ الساحر الانيق،​​ لا يثير التّقزّز​​ كما هي​​ حال الصراصير، التي تقشعرُّ​​ لها الابدان،​​ وتعشق​​ العيش على​​ الفضلات من​​ نفايات​​ الطعام​​ في​​ المنازل.​​ 

 

نتيجة بحث الصور عن ‪la cigale et la fourmi dessin animé‬‏

 

https://www.dailymotion.com/video/x39ptd9

ما ينبغي​​ قوله​​ للأمانة​​ أيضا،​​ إن مير​​ مختلف​​ عن​​ كل​​ الجنادب​​ والصراصير، فرخامة صوته​​ تشبه تغريد العندليب، وإلى جانب حسنه وأناقته كان مولعاً​​ بالعزف​​ يحترف الطرب الأصيل. لكنه أدمن​​ الكسل،​​ وألهبت​​ مشاعرَه​​ تاءُ​​ التأنيث​​ والجنس اللطيف.

 

يقطف​​ أكثر​​ الثمار​​ نضجاً​​ وطراوة​​ ليأكلها،​​ ولا تروقه ما لم تبلغ حلاوتها​​ طعمَ​​ العسل​​ من صنين.​​ وحينما يصحو من​​ نومه،​​ يشرب​​ النَّدى المعطر بأوراق الورد​​ كلَّ​​ صباح. يسهر الليالي​​ وينام غالبا​​ حتى يدركه​​ الضحى، وربما أخذته الغفوة​​ ​​ حتى الأصيل.

 

هذا دأبه يعفي نفسه دوما من​​ المسؤولية،​​ ومن​​ التبعات التي يلقيها عليه​​ الآخرون،​​ ليعيش كما يحلو له حياة مُحرَّرة من كل الضوابط والقيود..!​​ لكنّه​​ والشهادة​​ لوجه​​ الحق؟​​ بعيد​​ عن الإساءة الى​​ السِّوى​​ من​​ الآخرين.​​ تلك هي قناعته التي آلت إليه بالسليقة،​​ فلا​​ يناقشها​​ مهما تكن​​ النوايا​​ حسنة،​​ أو​​ كانت​​ الدوافع​​ واللوم الشديد.​​ 

 

​​ توسّل​​ العزف والغناء ليُغَرِّرَ​​ بِنَمُّوْلْ،​​ جارتِه الرَّزينة​​ العاقلة​​ فيصرفها عن العمل، لعلّها تستجيب​​ لرغباته وخفقات​​ قلبه؟​​ لكنّه عبثاً​​ فعل!​​ فهي إن أبطأت أو تراخت بتأثير النّغم وشدو العندليب​​ الجميل؟​​ إلاّ أنّها سرعان ما​​ تسُدُّ​​ أذنيها عن​​ المعصية والكسل،​​ وتنخرط ​​ في عملها من جديد، بعزيمة وهمّة لا​​ تلين ولا تعرف معنى​​ الفتور.

 

على أنّها والله يشهد؟​​ حاولت بصدق وتصميم أن تثنيه عن​​ التّراخي​​ والكسل، وتحرّضه​​ على​​ الأقل أن يجمع مؤونة الشتاء لنفسه، لكنه عاش​​ كما يحلو له​​ يستخفُّ​​ بنصحها ويمعن في​​ لهوه،​​ ويبدِّد وقته على​​ الطيش​​ والهوى​​ والتمادي​​ والعبث​​ البريء. ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ 

 ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ 

وما​​ أن انتهى فصل الخريف..؟​​ حتى ملأتِ​​ النملة كيسها​​ حبَّة..​​ حبَّة. ملأته​​ وقد​​ هبَّتِ الرِّيحُ..​​ وفجأة​​ اعتراها​​ الجنون. أمّا​​ الغيوم​​ الدّاكنة​​ المُثقلة​​ بالثلج والمطر​​ الشديد،​​ ​​ فقد​​ تلبَّدت​​ على علو​​ شاهق..؟​​ ولن​​ تتأخر كثيراً​​ عن موعدها​​ كما في كل عام.​​ 

 

هكذا​​ اطمأنت راز​​ وهدأت​​ أعصابُها،​​ للمؤونة الكافية التي جمعتها،​​ وتولَّتها​​ أسباب​​ الرّاحة​​ والأمان،​​ فحملت​​ ما جمعته بالتعاون مع رفيقاتها،​​ إلى مخزن​​ الجماعة​​ في قرية​​ النمل​​ الغفير،​​ ممن​​ شاركنها​​ تكسير​​ الحبوب، لئلا تستفزها​​ الرطوبة​​ بالتفريخ.​​ 

 

وهكذا انقضى الصيف والخريف وحلّ الشتاء​​ البارد الطويل،​​ فالأزهار قد ذبلت وماتت واختفى​​ عطرها،​​ والاشجار تعرّت تماما من أوراقها،​​ والطيور التي لم تهاجر​​ أوَتْ​​ إلى أعشاشها،​​ والنملات​​ التي أضناها التعب..؟​​ لجأت​​ أخيرا​​ إلى قراها​​ وهي تشعر​​ بالسكينة والهدوء. وبدأت​​ الريح​​ تتعالى وتنفخ في النفير،​​ وراح​​ الثلج يتساقط​​ على​​ قمم الجبال، وتمتد سطوته إلى​​ الحقول​​ والوديان، ويغطي​​ الساحات​​ وسطوح البيوت.

 

في البداية​​ الْتَحَفَ​​ الجندب​​ بعضاً​​ من الأوراق الصفراء​​ المتساقطة، التي لم تقه هول الصقيع، فراح يرتجف من شدة البرد والجوع. لايمكن أن تستمر الحال​​ هكذا..!؟​​ قال الجندب​​ لنفسه. ثم​​ تناول كمانه​​ ذلك الصديق​​ الأمين،​​ الذي لم يخنه أو يتخلَ​​ عنه​​ أبداً، وهام على وجهه​​ قانطاً​​ مهزوماً،​​ وليس في​​ جعبته غير الخيبة والجوع الفظيع.​​ 

 

كان​​ يحمل مرارته وهمومه والكمان،​​ ويتعثر في خطاه​​ وهو​​ يجوب​​ الجبال​​ والوديان​​ والحقول،​​ حاسر الرأس حافي القدمين خاوي البطن يبحث عن خلاص.​​ كلما جدّ في المسير..؟​​ كلّما اشتدّ برده وجوعه،​​ وكلّما اشتدّ جوعه..؟​​ شدّ حزامه​​ على بطنه.​​ وما إن يطوي مفازة حتى يُمعن في​​ اليأس من جديد،​​ إلى أن قادته قدماه صدفة الى قرية النمل،​​ وهو في​​ حال من​​ الخوف​​ والوهن​​ الشديد،​​ يكاد يلفظ​​ معه​​ النَّفَسَ​​ الأخير.

 

ولمَّا كان شديد العجز خائر القوة..؟ فقد زحف على ركبتيه ومرفقيه ليبلغ الباب.​​ طق..​​ طق..​​ قرع الباب​​ بإلحاح وانكسار وخجل​​ شديد​​ وأنفاس تتقطع​​ وانتظر؟​​ انتظر​​ لحظات خالها دهراً. كان​​ لسوء حاله​​ وشدة​​ خيبته​​ وقهره​​ على نفسه​​ يوشك أن يبكي، ولو فعل؟​​ لفرّج عن كربته!؟ لكنّ الجندب لايملك دمعاً يذرفه، لهذا فمحنته​​ أشدّ​​ وأدهى. ​​​​ 

 ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ 

راز​​ منهمكة في تدبير شؤون المنزل، وليست في قيافة حسنة تشجعها على استقبال​​ الزوار​​ أو الضيوف. من الطارق؟​​ سألت النملة وأجابها مير بصوت​​ المتوسل الخائف​​ الضعيف:​​ أنا جارك،​​ جارك​​ الجندب المغنّي، صاحب​​ القيثارة​​ يا صديقتي ألا​​ تتذكرين!؟

 

لم أكن أتوقع​​ زيارتك يا صديقي..!؟​​ لقد فاجأتني​​ هكذا​​ قالت النملة..!​​ ويجيبها مير​​ بلهجة انكسار​​ وذلّ​​ لا يخلو من التملق والخنوع: أنا​​ شديد الحاجة إلى مساعدتك​​ يا جارتي،​​ مفاصلي تؤلمني وتتجمد من شدّة البرد​​ والجوع، ألا تفتحين لي الباب..؟​​ بعد فترة من الصّمت القاتل، يؤشر إلى خيبة أخرى​​ تقول له النملة: أرجوك​​ انتظر​​ قليلا.. قليلا​​ فقط​​ وإياك​​ أن ترحل،​​ سأفتح لك حالما​​ أغيِّرُ قميصَ​​ نومي​​ وأهتم​​ بشؤوني.​​ 

 

إرتبكتِ​​ النملة كثيراً​​ من وقع​​ المفاجأة، ذُهِلت عن نفسها لبعض الوقت، لكنّها تماسكت، لَجَمَتْ​​ عواطفها وسارعت الى دولاب الملابس، فاختارت بعد تردُّدٍ​​ قصير ثوباً​​ جميلاً​​ جداً،​​ أجمل ما في الدولاب؛​​ واجهت​​ من​​ فرط ارتباكها صعوبة في ارتدائه.

 

إنه​​ مثير​​ حقا..!​​ لايستر من مفاتن جسمها الاّ القليل،​​ فيكشف في جزئه الأسفل عن ساقين جميلتين،​​ كأنهما​​ من الأبنوس اللامع المصقول،​​ وفي جزئه الأعلى نافذة تطلُّ​​ على الثديين.​​ وأمَّا​​ ما​​ حجبته حياءً​​ عن النّظر..؟​​ فعنه​​ يعجزُ​​ الوصف​​ والتفصيل..!​​ 

 

هكذا بسرعة الخاطرة ارتدت​​ الفستان المُنمَّق بتطريز جميل. تأملت نفسها جيدا في المرآة؟ ثم​​ عمدت الى زجاجة عطر​​ من العنبر النسوي،​​ كانت قد​​ خبّأتها​​ منذ زمن​​ بعيد، انتظاراً​​ لمناسبة​​ تستحق الانتظار الطويل!​​ وها قد أقبلت​​ الفرصة،​​ فرشّت​​ عنقها وصدرها​​ وأذنيها،​​ والاماكن​​ الحساسة من سائر​​ جسمها، وأسرفت في الرش الكثير.

 

عطرٌ​​ نادرٌ​​ يتسرَّبُ​​ كالمخدِّر​​ فيثير​​ حاسة الشّم،​​ ليوقظ​​ هرمونات الجسد والرغبات الدفينة، ويفعل فعله في​​ الجسم​​ والروح.​​ ثم​​ سرّحت شعرها بخفّة​​ بأناملها، سرّحته كيفما اتفق، وأصلحت أحمر الشفاه في حركة سريعة،​​ مشتركة بين الأنامل والفم.​​ اطمأنت​​ للمرة الأخيرة​​ إلى شكلها في المرآة،​​ وهبّت تفتح الباب. نبضات قلبها بلغت حدّها الأقصى، والدم​​ بدأ​​ يتجمع عند أطراف الأذنين،​​ ويحتقن في الأنف والوجنتين.

 

كان​​ مير​​ قد​​ عاوده الأمل​​ فوقف مستقيما​​ قليلا،​​ بعدما​​ تهالك​​ وهي تفتح​​ له،​​ ​​ فراح يزفر أنفاساً متلاحقة عميقة.​​ وكاد لفرط​​ عيائه​​ يسقط​​ مرة أخرى​​ على عتبة الدار؟

 

​​ لكنّها تلقَّفته بكلتا يديها قبل أن يتداعى ويسقط​​ من جديد،​​ فاستراح رأسه ملتصقاً​​ بصدرها، يفوح منه ذلك العطرُ​​ المنعش النفّاذ.​​ عطر​​ يطيح​​ بالإرادة وقوة​​ الاحتمال!​​ 

 ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ 

هبّت جاراتها في مملكة النّمل إلى مساعفة​​ المشرَّد​​ المسكين. إحداهنّ حملت إليه كوبا من النبيذ​​ المعتق​​ الأحمر، بينما كانت جارتها تعدّ له حساءً​​ ساخناً.​​ من كانت تطهو..؟​​ طرحت وزرتها جانبا​​ ثم​​ أطفأت النار وجاءت تستطلع​​ الخبر​​ الجديد..؟

 

إحداهنّ أقبلت تحمل أغطية​​ من الصّوف والسّاتان الملوّن،​​ كانت قد احتفظت بها​​ من ليلة​​ عرسها، وأخرى حملت حطباً​​ إضافياً​​ للموقد، وغيرها أحضرت لقدميه ماءً​​ دافئا.​​ 

 

أما​​ نادلة المطعم​​ فانتحت جانباً​​ مكتوفة اليدين​​ على صدرها، والغيظ باد على محياها والغيرة​​ تسحق​​ قلبها،​​ حينما​​ لم تؤدِّ​​ خدمة للضيف​​ الكريم..!​​ وهي​​ تعترضُ​​ بشدَّة​​ على مهانة الخمر​​ الجليل،​​ حينما​​ يُقدّم مع​​ أنواع​​ الحساء​​ الحقير.

 ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ 

هكذا بدأتِ​​ الحركة تنشط في المخيم،​​ وعادت​​ الحياة​​ تدب في الجسد الضعيف،​​ وما إن​​ استدفأ قليلا​​ واستراح​​ وأحس بالأمان..؟​​ حتى كانت مجموعة​​ من​​ الأخوات​​ العاملات،​​ قد أعددن​​ على شرفه وليمة عامرة،​​ بكثير​​ من​​ الحرص​​ وحسن التدبير، حيث​​ كان مير​​ على المائدة​​ وحده​​ الذّكر،​​ وضيف​​ الشرف​​ الوحيد.​​ 

 

أكل بنهم ملحوظ وهنّ يراقبنه بإشفاق​​ شديد،​​ وشرب حتى ارتوى وتعافى​​ وارتاح بما يكفي عن حاجته ويزيد.​​ وحينما​​ انتفت حجَّتُه لبقاء أطول..؟​​ طلب بانكسار بالغ إذنا​​ بالرحيل،​​ ينطوي على​​ رجاء بالرفض المبطّن والشكر الجزيل.

 

ولمّا لم تكن النملات قد التزمن بعمل في فصل الشتاء..؟​​ وخير الله يفيضُ​​ على الجميع فقد قابلنه بالإصرار على الرفض.​​ ما حمل الى قلبه الغبطة والأمان ​​ فانطلق يغنّي على سجيّته. أين الكمان..؟​​ هاتوا​​ الكمان قالت النملات، هيا ننفض عن نفوسنا هذا الملل.​​ إنّها فرصتنا جميعا نحن بأشدّ الحاجة​​ الى​​ الرقص​​ والترفيه.

 

وهكذا​​ تعالى صوت الكمان عذباً​​ شجياً​​ آسراً،​​ يتردد في أنحاء القاعة الكبرى،​​ ليفعل فعله في القلب والروح، فانتشين وتمايلن طرباً،​​ وتوالتِ​​ الصّبايا​​ على حلبة الرّقص في دائرة​​ تحيط بها العجائز والصِّغار،​​ يشجعون بالصَّفير والتّصفيق جموع الرّاقصين.​​ طال بهنّ السّهر وامتدّ الرّقص والسّمر وتحوّل الليل إلى مهرجان​​ طويل.

 

وعندما​​ صاح الدّيك إيذانا بحلول الصّباح؟​​ انصرف الكلُّ​​ الى النوم بعد ليل رائع، حمل في طيّاته كلّ البهجة والحبور، وحمل الى قلب راز نشوة عارمة،​​ فصديقها كان نجم الإحتفال بلا منازع، وقد تألق أشدّ سحرا من​​ قمر وسط​​ النجوم.​​ 

 

بالآه​​ الحرّى​​ المبحوحة، تنطلق​​ من​​ أعمق نقطة في​​ القلب،​​ قضى مير​​ ماتبقّى من فصل الشتاء في ضيافة​​ راز،​​ التي لم تبخل عليه بشىء.​​ خلافاً​​ لما فعلته أختها​​ ذات يوم،​​ حينما​​ وبّخته​​ وطردته من​​ دارها. لا لحماقة ارتكبها إلاَّ أنه يهوى​​ الطرب الأصيل.​​ 

 

وهكذا​​ عوّضته​​ صديقتُه​​ عن​​ حرمانه،​​ وكرامته المهدورة وهان عليه هوان​​ الماضي​​ الطويل،​​ بعد دهر​​ من​​ التّشهير​​ والسمعة المستباحة، وما​​ تداوله كلّ لسان​​ بكل​​ لغات​​ أهل​​ الأرض. ولمَّا كان متسامحاً وكريماً..؟​​ فقد​​ غفرَ​​ لأختها​​ وسامحها حين أكرمت​​ وفادته،​​ وآوته في دارها​​ لينعم بالرخاء،​​ وينعم​​ بالحب​​ والدفء​​ في​​ فصل الشتاء الطويل.​​ لكنّه لم يغفر​​ سوأة​​ لافونتين​​ الكاتب الفرنسي​​ المتعنت​​ الحقود،​​ الذى تَجَنّى عليه وآلمَهُ​​ وضيَّع مستقبله​​ منذ​​ بداية​​ التاريخ الحديث.

 

​​ كان​​ يجلس​​ بجانبها، يختلس النظر من حين الى آخر​​ إلى ساقيها العاريتين، يغنّي لها وتنتشي طرباً​​ له.​​ يحدّثها عن نفسه​​ وعن حبّه​​ الأول​​ وعن لون البنفسج في عينيها،​​ هذا اللون الفاتن اكتسبته بالوراثة​​ من جدّة أجنبية،​​ ماتت الصّيف الماضي. ​​ 

 

ولمّا كان​​ الفشل​​ والخيبة​​ غالباً​​ ما ينتهي إليهما الحب الكبير..؟​​ فقد أخفق مير بالزواج من صديقته،​​ التي هامت به وهام بها​​ حدَّ الجنون..!​​ لا لشيء إلاّ​​ لأنّها​​ ليست من بنات جنسه،​​ ولهذا فقد افترقا عندما حلّ الصيف​​ الذي تلا​​ الواقعة و​​ تلك​​ الذكريات الجميلة.

 

​​ ذلك الصّيف​​ كان يبشّر النملة بالرزق الوفير،​​ ويَعِدُ​​ صديقها​​ الجندب​​ بفيض من​​ اللهو​​ والعبث​​ البريء. وهكذا افترق الحبيبان، فمضى كلٌّ إلى غايتِه​​ وقدرِه​​ المكتوب، وأنا الشاهدُ​​ الوحيد على الواقعة بكل التفاصيل؟​​ أصابتني لفراقهما​​ دموعٌ​​ وحزنٌ شديد.​​ 

 

تلك هي حكايتي​​ عن مأساة​​ الجندب والنملة. طويتُها منذ طفولتي وألقيتها بعناية في جانبٍ من قلبي،​​ تستفيقُ اليومَ لتعلنَ عن نفسِها،​​ وتروي​​ بصدق​​ قصَّة الأيام الخوالي،​​ والسمعة السيئة ودهرٍ من التشهير،​​ عشتُهُ​​ نصيراً​​ ​​ للجندب​​ هذا الصّديق​​ الأمين. ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ 

 

 ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ بيروت في​​ 3 أيلول 2018

 ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ إبراهيم يوسف  ​​​​ 

 ​​​​ 

 ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​ ​​​​ 

للمشاركة

ابراهيم يوسف

Read Previous

رحلة في الماضي البسيط

Read Next

حتى النّفسِ الأخير

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *