“بين الجنّة والنار “

"بين الجنّة والنار​​ "

أحمد شبيب دياب – لبنان

Une image contenant plat, différent

Description générée automatiquement

رسالةُ آخر الليل
​​ لصديقي العزيز الأستاذ إبراهيم يوسف
​​ لعلّها تلقى "برداً وسلاماً" بين يديه​​ 
وتنشر في رياض روافده

أخي وصديقي العزيز

​​ لعلّ الشاعر موسى شعيب، طيّب الله ثراه، كان يعاني الألم والحرقة على أثر نكسة 1967 وهو يقول:

"لمن أكتب ؟​​ 
رفاقي باعة سوقة
​​ يمينيون مرتزقة
​​ يساريون في الورقة
​​ لمن أكتب؟
​​ وحولي تقرض الجرذان ما أكتب​​ ..."

أما أنا، وأعوذ بالله من كلمة أنا، وبعيداً من اليمين واليسار، وهموم السياسة والوطن، وبفضل تكنولوجيا المعلومات، أجد حولي ما شاء الله من الكتّاب والقرّاء المجلّين اللماحين والأصدقاء والأحبة الذين بهم أسعد ولهم أكتب.​​ 

في عصر تكنولوجيا المعلومات، لم يعد للجرذان أن تقرض الشعر أو تأكله، ولا للماعز أن تأكل آياتٍ بيّناتٍ من القرآن الكريم، في بيت أمّ المؤمنين.

ألا تتفق معي، يا صديقي، أنّ هذه التكنولوجيا الرائعة التي ابتكرها الغرب تشكّل خدمةً جليلةَ لنا وللإنسانية جمعاء. ألا ترى معي أيضاَ أنّ العديد من "الفقهاء" و"العلماء" من معممي بلادنا العربية والإسلامية ومشايخها،​​ لا زالوا لغاية يومنا هذا يرددون فتاوى تحتويها كتب الطبعات الحجرية الصفراء، وبعض مخطوطات قرون الإنحطاط المتوالية، بلا تدبّرٍ ولا إدراك.

إحدى هذه الفتاوى تقول، صراحةً، إنه: مهما قدّم القوم في بلاد الغرب، من علمٍ وأدبٍ وفنٍ وتكنولوجيا، تساهم في​​ رفع مستوى الرفاهية والعناية الصحيّة لدى شعوب العالم وفي تطوّر الإنسانية بشكلٍ عام، فمصيرهم جهنّم وبئس المصير، لأنهم "كفّار"​​ و"ملحدون" و"مشركون" وليسوا من المسلمين "الذين أنعم الله عليهم". فالجنة -على ما يقولون يا صديقي، حكرٌ علينا،​​ نحن​​ معشر المسلمين، ندخلها إن أطعنا واتّقينا وكنّا من الصالحين. ولعلّ جهنّم التي تناهت إلى معتقداتنا ومفاهيمنا، أرحم من جهنّم التي نعيشها اليوم أو من الجحيم الذي وعدنا به فخامة الرئيس اللبناني العماد ميشال عون...

Une image contenant texte, pierre

Description générée automatiquement

أمّا الجنّة التي وَعدَنَا​​ الله بها،
​​ ففيها أنهار من لبنٍ وعسلٍ،​​ 
وفاكهة​​ ولحم طيرٍ​​ وغير ذلك مما لذّ وطاب​​ 
وفيها من حور العين الفاتنات​​ 
ملك لك ..... كما تحبّ وتشتهي،
​​ يتمايلن راقصاتٍ ويغنّين أجمل الأغاني،​​ 
لك وحدك، إذا شئت،
​​ نعم، وفيها​​ ولدانٌ​​ مخلّدون،
​​ يقدّمون لك كأساً​​ كان​​ مزاجها زنجبيلا.​​ 
وفي الجنة أنهارٌ من الخمرة التي قد لا تسكر،​​ 
وقد​​ يكون​​ نوع​​ الرقص والغناء،​​ 
مما​​ تحبّ وترغب،
​​ ممنوعة، في الجنّة أيضاً،
​​ ثمّ أنّك ستبقى فيها إلى الأبد!​​ 
ولست أدري، بعد الأكل والشرب،
​​ وسماع الأغاني،​​ ومشاهدة الراقصات، وممارسة الجنس...
​​ ماذا ستفعل يا صديقي، في جنّة الخلد تلك؟

وتحضرني هنا حكاية من أدبنا الشعبي الجميل، وقد سمعتها​​ مرة​​ من صديقي وزميلي الدكتور سامي حمية، حفظه الله وأطال​​ في​​ عمره، أستاذ مادة التفاضل والتكامل في قسم الرياضيات في الجامعة اللبنانية، وابن برجا البار، البلدة الجميلة من إقليم الخرّوب، بشيبها وشبابها ودماثة معشر أبنائها وسرعة بديهتهم، وبراعتهم في لعب ورق "الشدّة"، وطاولة النرد وغيرها من سائر ألعاب التسلية التقليدية، المعروفة في لبنان وفي عموم بلاد الشام.

Une image contenant personne, assis, plancher, intérieur

Description générée automatiquement

تقول الحكاية:

توفيَّ توفيق أحد أبناء برجا، وكان من الصالحين المتقين الذين لا يغشّون ولا "يزعبرونّ" في لعب ورق​​ "الشدّة". ونتيجةً لحسن سلوكه أدخله الله الجنة وأكرمه بنعيمها الأبدّي. ولمّا كان كلّ​​ يومٍ من أيّام الجنّة كألف سنة مما نعدّ في تقويمنا الهجري المعتمد، أصيب صاحبنا البرجاوي، توفيق، بالملل والضجر، وكان من أهمّ أسباب ملله وضجره أنّه افتقد أصحابه في الدنيا، ممن كانوا يجتمعون معه في السهرات وأحياناً في "الصبحيات" و"العصريات"، على التسلية والتنكيت ولعب الورق والطاولة، في برجا، وقد حشرهم الله جميعاَ في​​ النار لأنهم -على ما يبدو-​​ كانوا يغشّون​​ بلعب ورق الشدّة ولا يلتزمون بقواعده.

ولمّا اضطرم الشوق​​ في​​ قلب​​ توفيق، واستبد به الحنين إلى رفاقه القدامى؟ انتبه أنه من أهل الله، وأنّه في الجنّة، وأن الله، سبحانه وتعالى،​​ لن يخيّب له أملاً في طلب أو رجاء، بل سيكرمه ويحقق له أمنياته، فعزم على زيارة جهنّم ومشاهدة أحبابه ورفاق عمره، هناك، في مأواهم الأخير.

وهكذا طلب توفيق من رئيس فرقة الملائكة المُكَلَّفَة بخدمته أن يدبّج له رسالة استرحام مؤثرة يتقدّم بها، عبر التسلسل الإداري المعمول به في عالم الملكوت، إلى المولى، عزّ وجَل، يشرح بها حاله ويطلب منه تحقيق أمنيته.

لكن رياح المتنبّي لم تجر وفق ما تشتهي سفن توفيق، ففي عالم الآخرة أيضا قوانين مرعية الإجراء يجب احترامها ولا يجوز تجاوزها أبداً. وقد سألت ملائكة توفيق جميع أهل الاختصاص من قضاة ومحامين ومدعين عامين في طلبه الغريب هذا ؟ فأجمعوا أنَّ قوانين الثواب والعقاب، لا تسمح بالانتقال من النعيم إلى الجحيم. ولا توجد هناك طرق أو معابر بين الجنّة والنار على الحدود بينهما، وبالتالي فلا مجال لتهريبه عبرها.

احتار توفيق في أمره وهام على وجهه، يسأل أهل الجنّة عن طريقةٍ للسفر إلى النار أو عن مخرجٍ قانوني يحقق له أمنيته، إلى أن اهتدى إلى داهية السماء، فأشار إليه، هذا الأخير، أن دستور الجنّة يضمن للمقيم فيها حقّ تحسين شروط معيشته ورفع درجته في النعيم. وعليه أن يأتي مصحوباً بأوراقه الثبوتية، ويتقّدّم بطلب العودة إلى الأرض، فيعمل فيها صالحاً، ويمكنه أن يطلب الموت ساعة يشاء، فيحضر ملاك الموت على الفور وينقله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، فإذا كانت موازين حسناته تزيد على سيّئاته دخل الجنّة من جديد وإلّا دخل النار.

وكانت فكرة داهية السماء التي أوجزها لتوفيق كالتالي: "عليك التقدم بطلب تحسين وضعك المعيشي، وتنزل إلى عالم الدنيا​​ مستخدماً هذه الحجة؛ وفي الأرض​​ بدلاً​​ من أن تعمل صالحاً تعمل طالحاً وتقترف بعض السيئات، ثمّ تطلب الموت، فيحضرك ملاك الموت على الفور، وبما أن موازين سيّئاتك تكون قد رجحت على حسناتك فإنك حتماً ستدخل النار​​ ويتحقق مرادك." اقتنع توفيق بتنفيذ هذه الخطّة المحكمة وطلب العودة إلى الأرض على الفور.